البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٤ - و لنذكر شيئا من ترجمته على سبيل الاختصار قبل ذلك
و كانت له بها مواقف هائلة، و مشاهد طائلة، منها
أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللَّه و رسوله، و يحبه اللَّه و رسوله»
فبات الناس يذكرون أيهم يعطاها، فدعا عليا- و كان أرمد- فدعا له، و بصق في عينه فلم يرمد بعدها، فبرأ و أعطاه الراية، ففتح اللَّه على يديه، و قتل مرحبا اليهودي و ذكر محمد بن إسحاق عن عبد اللَّه بن حسن عن بعض أهله عن أبى رافع أن يهوديا ضرب عليا فطرح ترسه، فتناول بابا عند الحصن فتترس به، فلم يزل في يده حتى فتح اللَّه على يديه ثم ألقاه من يده، قال أبو رافع: فلقد رأيتني أنا و سبعة معى نجتهد أن نقلب ذلك الباب على ظهره يوم خيبر فلم نستطع. و قال ليث عن أبى جعفر عن جابر أن عليا حمل الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، فلم يحملوه إلا أربعون رجلا* و منها أنه قتل مرحبا فارس يهود و شجعانهم* و شهد على عمرة القضاء و فيها
قال له النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): «أنت منى، و أنا منك»
و ما يذكره كثير من القصاص في مقاتلته الجن في بئر ذات العلم- و هو بئر قريب من الجحفة- فلا أصل له، و هو من وضع الجهلة من الأخباريين فلا يغتر به. و شهد الفتح و حنينا و الطائف، و قاتل في هذه المشاهد قتالا كثيرا، و اعتمر من الجعرانة مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) [و لما خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)] [١] إلى تبوك و استخلفه على المدينة،
قال له: يا رسول اللَّه أ تخلفني مع النساء و الصبيان؟ فقال: «أ لا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي
» و بعثه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أميرا و حاكما على اليمن، و معه خالد ابن الوليد، ثم وافى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عام حجة الوداع، إلى مكة، و ساق معه هديا، و أهلّ كإهلال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فأشركه في هديه، و استمر على إحرامه، [و نحرا هديهما بعد فراغ نسكهما كما تقدم] [٢]
و لما مرض رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال له العباس: سل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فيمن الأمر بعده؟ فقال: و اللَّه لا أسأله فإنه إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبدا،
و الأحاديث الصحيحة الصريحة دالة على أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لم يوص إليه و لا إلى غيره بالخلافة، بل لوح بذكر الصديق، و أشار إشارة مفهمة ظاهرة جدا إليه، كما قدمنا ذلك و للَّه الحمد.
و أما ما يفتريه كثير من جهلة الشيعة و القصاص الأغبياء، من أنه أوصى إلى على بالخلافة، فكذب و بهت و افتراء عظيم يلزم منه خطأ كبير، من تخوين الصحابة و ممالأتهم بعده على ترك إنفاذ وصيته و إيصالها إلى من أوصى إليه، و صرفهم إياها إلى غيره، و لا لمعنى و لا لسبب، و كل مؤمن باللَّه، و رسوله يتحقق أن دين الإسلام هو الحق، يعلم بطلان هذا الافتراء، لأن الصحابة كانوا خير الخلق بعد الأنبياء، و هم خير قرون هذه الأمة، التي هي أشرف الأمم بنص القرآن، و إجماع
[ (١، ٢)] سقط من الحلبية.