البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٧ - فصل
(صلى اللَّه عليه و سلم)،»
ثم عمد إلى بقية المصاحف التي بأيدي الناس مما يخالف ما كتبه فحرقه، لئلا يقع بسببه اختلاف، فقال أبو بكر بن أبى داود- في كتاب المصاحف- حدثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر و عبد الرحمن قالا: ثنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن رجل عن سويد بن غفلة قال: قال لي على حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته» و هكذا رواه أبو داود الطيالسي و عمرو بن مرزوق عن شعبة مثله،
و قد رواه البيهقي و غيره من حديث محمد بن أبان- زوج أخت حسين- عن علقمة بن مرثد قال: سمعت العيزار بن جرول سمعت سويد بن غفلة قال: «قال على: أيها الناس! إياكم و الغلو في عثمان تقولون حرق المصاحف، و اللَّه ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لو وليت مثل ما ولى لفعلت مثل الّذي فعل»
و قد روى عن ابن مسعود أنه تعتب لما أخذ منه مصحفه فحرق، و تكلم في تقدم إسلامه على زيد بن ثابت الّذي كتب المصاحف، و أمر أصحابه أن يغلوا مصاحفهم، و تلا قوله تعالى وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ فكتب إليه عثمان رضى اللَّه عنه يدعوه إلى اتباع الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك، و جمع الكلمة، و عدم الاختلاف، فأناب و أجاب إلى المتابعة، و ترك المخالفة رضى اللَّه عنهم أجمعين.
و قد قال أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد أن عبد اللَّه بن مسعود دخل مسجد منى فقال:
كم صلى أمير المؤمنين الظهر؟ قالوا: أربعا، فصلى ابن مسعود أربعا فقالوا: أ لم تحدثنا أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبا بكر و عمر صلوا ركعتين؟ فقال: نعم! و أنا أحدثكموه الآن، و لكنى أكره الاختلاف. و في الصحيح أن ابن مسعود قال: ليت حظي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين. و قال الأعمش: حدثني معاوية بن قرة- بواسط- عن أشياخه قالوا: صلى عثمان الظهر بمنى أربعا فبلغ ذلك ابن مسعود فعاب عليه، ثم صلى بأصحابه العصر في رحله أربعا، فقيل له: عتبت على عثمان و صليت أربعا؟ فقال: إني أكره الخلاف. و في رواية الخلاف شر فإذا كان هذا متابعة من ابن مسعود إلى عثمان في هذا الفرع فكيف بمتابعته إياه في أصل القرآن؟ و الافتداء به في التلاوة التي عزم على الناس أن يقرءوا بها لا بغيرها؟ و قد حكى الزهري و غيره أن عثمان إنما أتم خشية على الأعراب أن يعتقدوا أن فرض الصلاة ركعتان، و قيل بل قد تأهل بمكة،
فروى يعلى و غيره من حديث عكرمة بن إبراهيم حدثني عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبى ذباب عن أبيه أن عثمان صلى بهم بمنى أربع ركعات، ثم أقبل عليهم فقال: إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إذا تزوج الرجل ببلد فهو من أهله»
و إني أتممت لأني تزوجت بها منذ قدمتها. و هذا الحديث لا يصح، و قد تزوج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في عمرة القضاء بميمونة بنت الحارث و لم يتم الصلاة، و قد قيل إن عثمان تأول أنه أمير المؤمنين حيث كان [و هكذا تأولت عائشة فأتمت، و في هذا التأويل نظر، فان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) هو رسول اللَّه