البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٥ - فصل
عليه فمن يرجو بعده؟. و قال مجاهد: خطب عثمان فقال: ابن آدم! اعلم أن ملك الموت الّذي وكل بك لم يزل يخلفك و يتخطى إلى غيرك منذ أنت في الدنيا، و كأنه قد تخطي غيرك إليك، و قصدك، فخذ حذرك، و استعدّ له، و لا تغفل فإنه لا يغفل عنك، و اعلم ابن آدم إن غفلت عن نفسك و لم تستعدّ لها لم يستعد لها غيرك، و لا بد من لقاء اللَّه، فخذ لنفسك و لا تكلها إلى غيرك و السلام. و قال سيف بن عمر عن بدر بن عثمان عن عمه. قال: آخر خطبة خطبها عثمان في جماعة «إن اللَّه إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، و لم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى و إن الآخرة تبقى، لا تبطرنكم الفانية، و لا تشغلنكم عن الباقية، و آثروا ما يبقى على ما يفنى، فان الدنيا منقطعة و إن المصير إلى اللَّه، اتقوا اللَّه فان تقواه جنّة من بأسه، و وسيلة عنده، و احذروا من اللَّه الغير، و ألزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً إلى آخر الآيتين*
فصل
قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، ثنا محمد بن قيس الأسدي عن موسى بن طلحة. قال: سمعت عثمان بن عفان و هو على المنبر و المؤذن يقيم الصلاة و هو يستخبر الناس يسألهم عن أخبارهم، و أسفارهم. و قال أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ثنا يونس- يعنى ابن عبيد- حدثني عطاء بن فروخ مولى القرشيين أن عثمان اشترى من رجل أرضا فأبطأ عليه فلقيه فقال: ما منعك من قبض مالك؟ قال: إنك غبنتنى، فما ألقى من الناس أحدا إلا و هو يلومني، قال: أ ذلك يمنعك؟ قال:
نعم! قال: فاختر بين أرضك و مالك، ثم قال:
قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «أدخل اللَّه الجنة رجلا كان سهلا مشتريا و بائعا و قاضيا و مقتضيا».
و روى ابن جرير أن طلحة لقي عثمان و هو خارج إلى المسجد فقال له طلحة: إن الخمسين ألفا التي لك عندي قد حصلت فأرسل من يقبضها، فقال له عثمان: إنا قد وهبناكها لمروءتك. و قال الأصمعي: استعمل ابن عامر قطن بن عوف الهلالي على كرمان، فأقبل جيش من المسلمين- أربعة آلاف- و جرى الوادي فقطعهم عن طريقهم، و خشي قطن الفوت فقال:
من جاز الوادي فله ألف درهم، فحملوا أنفسهم على العوم، فكان إذا جاز الرجل منهم قال قطن:
أعطوه جائزته، حتى جازوا جميعا و أعطاهم أربعة آلاف ألف درهم، فأبى ابن عامر أن يحسبها له، فكتب بذلك إلى عثمان بن عفان، فكتب عثمان: أن احسبها له، فإنه إنما أعان المسلمين في سبيل اللَّه فمن ذلك اليوم سميت الجوائز لاجازة الوادي، فقال الكناني في ذلك:
فدى للأكرمين بنى هلال* * * على علاتهم أهلي و مالي