البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٤ - فصل في ذكر شيء من خطبه
درهم فيها، فرجعت إلى أبى فأخبرته؟ فقال: يا بنى من فعل هذا بك؟ فقلت: لا أدرى إلا أنه رجل في المسجد نائم لم أر قط أحسن منه، قال: ذاك أمير المؤمنين عثمان بن عفان» و قال عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرنى يزيد بن خصيفة عن أبى السائب بن يزيد «أن رجلا سأل عبد الرحمن بن عثمان التميمي أ هي صلاة طلحة بن عبيد اللَّه عن صلاة عثمان قال: نعم! قال: قلت لأغلبن الليلة النفر على الحجر- يعنى المقام- فلما قمت فإذا رجل يرجمنى مقنعا قال فالتفت فإذا بعثمان، فتأخرت عنه فصلى فإذا هو يسجد بسجود القرآن، حتى إذا قلت هذا هو أذان الفجر أوتر بركعة لم يصل غيرها ثم انطلق». و قد روى هذا من غير وجه أنه صلى بالقرآن العظيم في ركعة واحدة عند الحجر الأسود، أيام الحج، و قد كان هذا من دأبه رضى اللَّه عنه. و لهذا روينا عن ابن عمر أنه قال في قوله تعالى أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قال: هو عثمان بن عفان.
و قال ابن عباس في قوله تعالى هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ هُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال: هو عثمان. و قال حسان:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به* * * يقطّع الليل تسبيحا و قرآنا
و قال سفيان بن عيينة: ثنا إسرائيل بن موسى سمعت الحسن يقول قال عثمان: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، و إني لأكره أن يأتى عليّ يوم لا انظر في المصحف، و ما مات عثمان حتى خرق مصحفه من كثرة ما يديم النظر فيه. و قال أنس و محمد بن سيرين: قالت امرأة عثمان يوم الدار: اقتلوه أو دعوه، فو اللَّه لقد كان يحيى الليل بالقرآن في ركعة. و قال غير واحد: إنه رضى اللَّه عنه كان لا يوقظ أحدا من أهله إذا قام من الليل ليعينه على وضوئه، إلا أن يجده يقظانا، و كان يصوم الدهر، و كان يعاتب فيقال: لو أيقظت بعض الخدم؟ فيقول: لا! الليل لهم يستريحون فيه. و كان إذا اغتسل لا يرفع المئزر عنه، و هو في بيت مغلق عليه، و لا يرفع صلبه جيدا من شدة حيائه رضى اللَّه عنه.
فصل في ذكر شيء من خطبه
قال الواقدي: حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبى ربيعة المخزومي عن أبيه أن عثمان لما بويع خرج إلى الناس فخطبهم، فحمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس أول كل مركب صعب، و إن بعد اليوم أياما، و إن أعش تأتكم الخطب على وجهها، و ما كنا خطباء و سيعلمنا اللَّه. و قال الحسن: خطب عثمان فحمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! اتقوا اللَّه فان فان تقوى اللَّه غنم، و إن أكيس الناس من دان نفسه، و عمل لما بعد الموت، و اكتسب من نور اللَّه نورا لظلمة القبر، و ليخش عبد أن يحشره اللَّه أعمى، و قد كان بصيرا، و قد يلقى الحكيم جوامع الكلم، و الأصم ينادى من مكان بعيد، و اعلموا أن من كان اللَّه له لم يخف شيئا، و من كان اللَّه