البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٠ - فصل في الإشارة إلى شيء من الأحاديث الواردة في فضائل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه
الخندق و الحديبيّة، و بايع عنه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يومئذ بإحدى يديه، و شهد خيبر و عمرة القضاء، و حضر الفتح و هوازن و الطائف و غزوة تبوك، و جهز جيش العسرة. و تقدم عن عبد الرحمن بن خباب أنه جهزهم يومئذ بثلاثمائة بعير بأقتابها و أحلاسها، و عن عبد الرحمن بن سمرة أنه جاء يومئذ بألف دينار فصبها في حجر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)
فقال (صلى اللَّه عليه و سلم): ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم مرتين.
و حج مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حجة الوداع، و توفى و هو عنه راض، و صحب أبا بكر فأحسن صحبته، و توفى و هو عنه راض، و صحب عمر فأحسن صحبته و توفى و هو عنه راض. و نص عليه في أهل الشورى الستة، فكان خيرهم كما سيأتي.
فولى الخلافة بعده ففتح اللَّه على يديه كثيرا من الأقاليم و الأمصار، و توسعت المملكة الإسلامية، و امتدت الدولة المحمدية، و بلغت الرسالة المصطفوية في مشارق الأرض و مغاربها، و ظهر للناس مصداق قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ، وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً و قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
و قوله (صلى اللَّه عليه و سلم): «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و الّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل اللَّه»
و هذا كله تحقق وقوعه و تأكد و توطد في زمان عثمان رضى اللَّه عنه.
و قد كان رضى اللَّه عنه حسن الشكل، مليح الوجه، كريم الأخلاق، ذا حياء كثير، و كرم غزير، يؤثر أهله و أقاربه في اللَّه، تأليفا لقلوبهم من متاع الحياة الدنيا الفاني، لعله يرغبهم في إيثار ما يبقى على ما يفنى، كما كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يعطى أقواما و يدع آخرين، يعطى أقواما خشية أن يكبهم اللَّه على وجوههم في النار، و يكل آخرين إلى ما جعل اللَّه في قلوبهم من الهدى و الإيمان، و قد تعنت عليه بسبب هذه الخصلة أقوام، كما تعنت بعض الخوارج على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الإيثار. و قد قدمنا ذلك في غزوة حنين حيث قسم غنائمها* و قد وردت أحاديث كثيرة في فضل عثمان رضى اللَّه عنه نذكر ما تيسر منها إن شاء اللَّه و به الثقة، و هي قسمان- الأول- فيما ورد في فضائله مع غيره.
فمن ذلك الحديث الّذي رواه البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد عن سعيد عن قتادة أن أنسا حدثهم قال: «صعد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أحدا و معه أبو بكر و عمر و عثمان، فرجف فقال:
اسكن أحد- أظنه ضربه برجله- فليس عليك إلا نبي و صديق و شهيدان»
تفرد به دون مسلم.
و قال الترمذي: ثنا قتيبة ثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «كان على حراء هو و أبو بكر و عمر و عثمان و على بن أبى طالب و طلحة و الزبير،