البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩ - ذكر فتح دمشق
و خالد يقول سمعا و طاعة لأمير المؤمنين.
و قد روى ابن جرير عن صالح بن كيسان أنه قال: أول كتاب كتبه عمر إلى أبى عبيدة حين ولاه و عزل خالدا أن قال: «و أوصيك بتقوى اللَّه الّذي يبقى و يفنى ما سواه، الّذي هدانا من الضلالة، و أخرجنا من الظلمات إلى النور، و قد استعملتك على جند خالد بن الوليد فقم بأمرهم الّذي يحق عليك، لا تقدم المسلمين هلكة رجاء غنيمة، و لا تنزلهم منزلا قبل أن تستريده لهم و تعلم كيف مأتاه، و لا تبعث سرية إلّا في كنف من الناس، و إياك و إلقاء المسلمين في الهلكة، و قد أبلاك اللَّه بى و أبلانى بك، فغض بصرك عن الدنيا، و أله قلبك عنها، و إياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم. و أمرهم بالمسير إلى دمشق»، و كان بعد ما بلغه الخبر بفتح اليرموك و جاءته به البشارة، و حمل الخمس إليه. و قد ذكر ابن إسحاق أن الصحابة قاتلوا بعد اليرموك أجنادين ثم بفحل من أرض الغور قريباً من بيسان بمكان يقال له الردغة سمى بذلك لكثرة ما لقوا من الأوحال فيها، فأغلقوها عليهم، و أحاط بها الصحابة. قال: و حينئذ جاءت الامارة لأبى عبيدة من جهة عمر و عزل خالد، و هذا الّذي ذكره ابن إسحاق من مجيء الإمارة لأبى عبيدة في حصار دمشق هو المشهور.
ذكر فتح دمشق
قال سيف بن عمر لما ارتحل أبو عبيدة من اليرموك فنزل بالجنود على مرج الصفر و هو عازم على حصار دمشق إذا أتاه الخبر بقدوم مددهم من حمص، و جاءه الخبر بأنه قد أجتمع طائفة كبيرة من الروم بفحل من أرض فلسطين، و هو لا يدرى بأي الأمرين يبدأ. فكتب إلى عمر في ذلك، فجاء الجواب أن أبدأ بدمشق فإنها حصن الشام و بيت مملكتهم، فانهد لها و اشغلوا عنكم أهل فحل بخيول تكون تلقاءهم، فان فتحها اللَّه قبل دمشق فذلك الّذي نحب، و إن فتحت دمشق قبلها فسر أنت و من معك و استخلف على دمشق، فإذا فتح اللَّه عليكم فحل فسر أنت و خالد إلى حمص و اترك عمرا و شرحبيل على الأردن و فلسطين.
قال: فسرح أبو عبيدة إلى فحل عشرة أمراء مع كل أمير خمسة أمراء و على الجميع عمارة بن مخشى الصحابي، فساروا من مرج الصفر إلى فحل فوجدوا الروم لك قريبا من ثمانين ألفا، و قد أرسلوا المياه حولهم حتى أردغت الأرض فسموا ذلك الموضع الردغة، و فتحها اللَّه على المسلمين فكانت أول حصن فتح قبل دمشق على ما سيأتي تفصيله. و بعث أبو عبيدة جيشا يكون بين دمشق و بين فلسطين، و بعث ذا الكلاع في جيش يكون بين دمشق و بين حمص، ليرد من يرد إليهم من المدد من جهة هرقل. ثم سار أبو عبيدة من مرج الصفر قاصدا دمشق، و قد جعل خالد بن الوليد