البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٦ - صفة قتله رضى اللَّه عنه
علمت ذلك؟ قال: لأنه أتى بك النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم سابعك فحنكك و دعا لك بالبركة. ثم دخل عليه رجل آخر من الأنصار فقال له مثل ذلك سواء. ثم دخل محمد بن أبى بكر فقال: أنت قاتلي. قال: و ما يدريك يا نعثل؟ قال: لأنه أتى بك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم سابعك ليحنكك و يدعو لك بالبركة، فخريت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: فوثب على صدره و قبض على لحيته، و وجأه بمشاقص كانت في يده». هذا حديث غريب جدا و فيه نكارة. و ثبت من غير وجه أن أول قطرة من دمه سقطت على قوله تعالى فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ و يروى أنه كان قد وصل إليها في التلاوة أيضا حين دخلوا عليه، و ليس ببعيد فإنه كان قد وضع المصحف يقرأ فيه القرآن.
و روى ابن عساكر أنه لما طعن قال: بسم اللَّه توكلت على اللَّه، فلما قطر الدم قال: سبحان اللَّه العظيم. و قد ذكر ابن جرير في تاريخه بأسانيده أن المصريين لما وجدوا ذلك الكتاب مع البريد إلى أمير مصر، فيه الأمر بقتل بعضهم، و صلب بعضهم، و بقطع أيدي بعضهم و أرجلهم، و كان قد كتبه مروان بن الحكم على لسان عثمان، متأولا قوله تعالى إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ و عنده أن هؤلاء الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان رضى اللَّه عنه من جملة المفسدين في الأرض، و لا شك أنهم كذلك، لكن لم يكن له أن يفتات على عثمان و يكتب على لسانه بغير علمه، و يزور على خطه، و خاتمه، و يبعث غلامه على بعيره، بعد ما وقع الصلح بين عثمان و بين المصريين، على تأمير محمد بن أبى بكر على مصر، بخلاف ذلك كله، و لهذا لما وجدوا هذا الكتاب على خلاف ما وقع الاتفاق عليه، و ظنوا أنه من عثمان، أعظموا ذلك، مع ما هم مشتملون عليه من الشر فرجعوا إلى المدينة فطافوا به على رءوس الصحابة، و أعانهم على ذلك قوم آخرون، حتى ظن بعض الصحابة أن هذا عن أمر عثمان رضى اللَّه عنه، فلما قيل لعثمان رضى اللَّه عنه في أمر هذا الكتاب بحضرة جماعة من أعيان الصحابة و جمهور المصريين، حلف باللَّه العظيم، و هو الصادق البار الراشد، أنه لم يكتب هذا الكتاب و لا أملاه على من كتبه، و لا علم به، فقالوا له: فان عليه خاتمك. فقال: إن الرجل قد يزور على خطه و خاتمه قالوا: فإنه مع غلامك و على جملك. فقال: و اللَّه لم أشعر بشيء من ذلك. فقالوا له- بعد كل مقالة- إن كنت قد كتبته فقد خنت، و إن لم تكن قد كتبته بل كتب على لسانك و أنت لا تعلم فقد عجزت، و مثلك لا يصلح للخلافة، إما لخيانتك، و إما لعجزك، و هذا الّذي قالوا باطل على كل تقدير فإنه لو فرض أنه كتب الكتاب، و هو لم يكتبه في نفس الأمر، لا يضره ذلك لأنه قد يكون رأى ذلك مصلحة للأمة في إزالة شوكة هؤلاء البغاة الخارجين على الامام، و أما إذا لم يكن قد علم به فأى