البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٠ - طريق أخرى
قال: أنشد باللَّه من شهد رسول اللَّه قال: من يوسع لنا بهذا البيت في المسجد بنيت له بيتا في الجنة» فابتعته من مالي فوسعت به المسجد. فانتشد له رجال. ثم قال: أنشد باللَّه من شهد رسول اللَّه يوم جيش العسرة قال: «من ينفق اليوم نفقة متقبلة»؟
فجهزت نصف الجيش من مالي، فانتشد له رجال. ثم قال: أنشد باللَّه من شهد رومة يباع ماؤها ابن السبيل فابتعتها من مالي فأبحتها ابن السبيل قال: فانتشد له رجال. و رواه النسائي عن عمران بن بكار عن حطاب بن عثمان عن عيسى بن يونس بن أبى إسحاق عن أبيه عن جده أبى إسحاق السبيعي به.
و قد ذكر ابن جرير أن عثمان رضى اللَّه عنه لما رأى ما فعل هؤلاء الخوارج من أهل الأمصار، من محاصرته في داره، و منعه الخروج إلى المسجد، كتب إلى معاوية بالشام، و إلى ابن عامر بالبصرة و إلى أهل الكوفة، يستنجدهم في بعث جيش يطردون هؤلاء من المدينة، فبعث معاوية مسلمة بن ابن حبيب، و انتدب يزيد بن أسد القشيري في جيش، و بعث أهل الكوفة جيشا، و أهل البصرة جيشا، فلما سمع أولئك بخروج الجيوش إليهم صمموا في الحصار، فما اقترب الجيوش إلى المدينة حتى جاءهم قتل عثمان رضى اللَّه عنه كما سنذكره. و ذكر ابن جرير أن عثمان استدعى الأشتر النخعي و وضعت لعثمان وسادة في كوة من داره، فأشرف على الناس، فقال له عثمان: يا أشتر ما ذا يريدون؟
فقال: إنهم يريدون منك إما أن تعزل نفسك عن الإمرة، و إما أن تفتدى من نفسك من قد ضربته، أو جلدته، أو حبسته، و إما أن يقتلوك. و في رواية أنهم طلبوا منه أن يعزل نوابه عن الأمصار و يولى عليها من يريدون هم، و إن لم يعزل نفسه أن يسلم لهم مروان بن الحكم فيعاقبوه كما زوّر على عثمان كتابه إلى مصر، فخشي عثمان إن سلمه إليهم أن يقتلوه، فيكون سببا في قتل امرئ مسلم و ما فعل من الأمر ما يستحق بسببه القتل، و اعتذر عن الاقتصاص مما قالوا بأنه رجل ضعيف البدن كبير السن. و أما ما سألوه من خلعه نفسه فإنه لا يفعل و لا ينزع قميصا قمصه اللَّه إياه، و يترك أمة محمد يعدو بعضها على بعض و يولى السفهاء من الناس من يختاروه هم فيقع الهرج و يفسد الأمر كما ظنه فسدت الأمة و وقع الهرج، و قال لهم فيما قال، و أي شيء إلى من الأمر إن كنت كلما كرهتم أميرا عزلته، و كلما رضيتم عنه وليته؟ و قال لهم فيما قال: و اللَّه لئن قتلتموني لا تتحابوا بعدي، و لا تصلوا جميعا أبدا، و لا تقاتلوا بعدي عدوا جميعا أبدا، و قد صدق رضى اللَّه عنه فيما قال.
و قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن عبد اللَّه بن أبى قيس حدثني النعمان بن بشير قال: كتب معى عثمان إلى عائشة كتابا فدفعت إليها كتابه فحدثتني أنها سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول لعثمان: «إن اللَّه لعله يقمصك قميصا. فان أرادك أحد على خلعه فلا تخلعه، ثلاث مرات»
قال النعمان: فقلت يا أم المؤمنين! فأين كنت عن هذا الحديث؟ فقالت: يا بنى و اللَّه أنسيته. و قد رواه الترمذي من حديث الليث عن معاوية بن صالح