البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨ - خلافة عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه
الناس لحرب أهل العراق مع المثنى، و إذا فتح اللَّه على أمرائنا بالشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم. أعلم بحربة.
فلما مات الصديق ندب عمر المسلمين إلى الجهاد بأرض العراق لقلة من بقي فيه من المقاتلة بعد خالد بن الوليد، فانتدب خلقا و أمر عليهم أبا عبيدة بن مسعود، و كان شابا شجاعا، خبيرا بالحرب و المكيدة. و هذا آخر ما يتعلق بخبر العراق إلى آخر أيام الصديق و أول دولة الفاروق.
خلافة عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه
كانت وفاة الصديق رضى اللَّه عنه في يوم الاثنين عشية، و قيل بعد المغرب و دفن من ليلته، و ذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بعد مرض خمسة عشر يوما، و كان عمر بن الخطاب يصلى عنه فيها بالمسلمين، و في أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب، و كان الّذي كتب العهد عثمان بن عفان، و قرئ على المسلمين فأقروا به و سمعوا له و أطاعوا، فكانت خلافة الصديق سنتين و ثلاثة أشهر، و كان عمره يوم توفى ثلاثا و ستين سنة، للسن الّذي توفى فيه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد جمع اللَّه بينهما في التربة، كما جمع بينهما في الحياة، فرضى اللَّه عنه و أرضاه.
قال محمد بن سعد عن أبى قطن عمرو بن الهيثم عن ربيع بن حسان الصائغ. قال: كان نقش خاتم أبى بكر «نعم القادر اللَّه». و هذا غريب و قد ذكرنا ترجمة الصديق رضى اللَّه عنه، و سيرته و أيامه و ما روى من الأحاديث، و ما روى عنه من الأحكام في مجلد و للَّه الحمد و المنة. فقام بالأمر من بعده أتم القيام الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه. و هو أول من سمى بأمير المؤمنين.
و كان أول من حياه بها المغيرة بن شعبة، و قيل غيره كما بسطنا ذلك في ترجمة عمر بن الخطاب و سيرته التي أفردناها في مجلد، و مسندة و الآثار المروية مرتبا على الأبواب في مجلد آخر و للَّه الحمد.
و قد كتب بوفاة الصديق إلى أمراء الشام مع شداد بن أوس، و محمد بن جريح، فوصلا و الناس مصافون جيوش الروم يوم اليرموك كما قدمنا. و قد أمر عمر على الجيوش أبا عبيدة حين ولاه و عزل خالد بن الوليد. و ذكر سلمة عن محمد بن إسحاق أن عمر إنما عزل خالدا لكلام بلغه عنه، و لما كان من أمر مالك بن نويرة، و ما كان يعتمده في حربه. فلما ولى عمر كان أول ما تكلم به أن عزل خالدا، و قال: لا يلي لي عملا أبدا. و كتب عمر إلى أبي عبيدة إن أكذب خالد نفسه فهو أمير على ما كان عليه، و إن لم يكذب نفسه فهو معزول، فأنزع عمامته عن رأسه و قاسمه ماله نصفين. فلما قال أبو عبيدة ذلك لخالد قال له خالد: أمهلنى حتى أستشير أختى، فذهب إلى أخته فاطمة- و كانت تحت الحارث بن هشام- فاستشارها في ذلك، فقالت له: إن عمر لا يحبك أبدا، و إنه سيعزلك و إن كذبت بنفسك. فقال لها: صدقت و اللَّه. فقاسمه أبو عبيدة حتى أخذ [إحدى] نعليه و ترك له الآخرة،