البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٢ - ثم دخلت سنة خمس و ثلاثين ففيها مقتل عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه
و أتوب إليك، اللَّهمّ إني أول تائب مما كان منى، و أرسل عينيه بالبكاء فبكى المسلمون أجمعون، و حصل للناس رقة شديدة على إمامهم، و أشهد عثمان الناس على نفسه بذلك، و أنه قد لزم ما كان عليه الشيخان، و أبو بكر و عمر رضى اللَّه عنهما، و أنه قد سبل بابه لمن أراد الدخول عليه، لا يمنع أحد من ذلك، و نزل فصلى بالناس ثم دخل منزله و جعل من أراد الدخول على أمير المؤمنين لحاجة أو مسألة أو سؤال، لا يمنع أحد من ذلك مدة.
قال الواقدي: فحدثني على بن عمر عن أبيه قال: ثم إن عليا جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له: تكلم كلاما تسمعه الناس منك و يشهدون عليك، و يشهد اللَّه على ما في قلبك من النزوع و الانابة، فإن البلاد قد تمخضت عليك، و لا آمن ركبا آخرين يقدمون من قبل الكوفة، فتقول يا على اركب إليهم، و يقدم آخرون من البصرة فتقول يا على اركب إليهم، فان لم أفعل قطعت رحمك و استخففت بحقك. قال: فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها، و أعلم الناس من نفسه التوبة، فقام فحمد اللَّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فو اللَّه ما عاب من عاب شيئا أجهله، و ما جئت شيئا إلا و أنا أعرفه، و لكن ضلّ رشدي و لقد سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «من زل فليتب، و من أخطأ فليتب، و لا يتمادى في الهلكة، إن من تمادى في الجور كان أبعد عن الطريق» فأنا أول من اتعظ، أستغفر اللَّه مما فعلت و أتوب، فمثلى نزع و تاب، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم، فو اللَّه لأكوننّ كالمرقوق إن ملك صبر، و إن عتق شكر، و ما عن اللَّه مذهب إلا إليه.
قال: فرق الناس له و بكى من بكى، و قام إليه سعيد بن زيد فقال:
يا أمير المؤمنين! اللّه اللَّه في نفسك! فأتمم على ما قلت. فلما انصرف عثمان إلى منزله وجد به جماعة من أكابر الناس، و جاءه مروان بن الحكم فقال: أتكلم يا أمير المؤمنين أم أصمت؟ فقالت امرأة عثمان- نائلة بنت الفرافصة الكلبية- من وراء الحجاب: بل اصمت، فو اللَّه إنهم لقاتلوه، و لقد قال مقالة لا ينبغي النزوع عنها. فقال لها: و ما أنت و ذاك!؟ فو اللَّه لقد مات أبوك و ما يحسن أن يتوضأ. فقالت له: دع ذكر الآباء، و نالت من أبيه الحكم، فأعرض عنها مروان. و قال لعثمان: يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت؟ فقال له عثمان: بل تكلم، فقال مروان: بأبي أنت و أمى، لوددت أن مقالتك هذه كانت و أنت ممنع منيع، فكنت أول من رضى بها و أعان عليها، و لكنك قلت ما قلت حين جاوز الحزام الطبيين، و بلغ السيل الزبا، و حين أعطى الخطة الذليلة الذليل، و اللَّه لإقامة على خطيئة يستغفر منها، خير من توبة خوف عليها، و إنك لو شئت لعزمت التوبة و لم تقرر لنا بالخطيئة، و قد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس. فقال عثمان: قم فاخرج إليهم فكلمهم، فانى أستحى أن أكلمهم، قال: فخرج مروان إلى الباب و الناس يركب بعضهم بعضا، فقال: ما شأنكم