البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧١ - ثم دخلت سنة خمس و ثلاثين ففيها مقتل عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه
و خرج معه جماعة الاشراف و أمره أن يأخذ معه عمار بن ياسر. فقال على لعمار فأبى عمار أن يخرج معه. فبعث عثمان سعد بن أبى وقاص أن يذهب إلى عمار ليحرضه على الخروج مع على إليهم، فأبى عمار كل الإباء، و امتنع أشد الامتناع، و كان متعصبا على عثمان بسبب تأديبه له فيما تقدم على أمر و ضربه إياه في ذلك، و ذلك بسبب شتمه عباس بن عتبة بن أبى لهب، فأدبهما عثمان، فتآمر عمار عليه لذلك، و جعل يحرض الناس عليه، فنهاه سعد بن أبى وقاص عن ذلك و لامه عليه، فلم يقلع عنه و لم يرجع و لم ينزع، فانطلق على بن أبى طالب إليهم و هم بالجحفة، و كانوا يعظمونه و يبالغون في أمره، فردهم و أنبهم و شتمهم، فرجعوا على أنفسهم بالملامة، و قالوا: هذا الّذي تحاربون الأمير بسببه، و تحتجون عليه به.
و يقال إنه ناظرهم في عثمان، و سألهم ما ذا ينقمون عليه، فذكروا أشياء منها أنه حمى الحمى، و أنه حرق المصاحف، و أنه أتم الصلاة، و أنه ولى الاحداث، اعطى الولايات و ترك الصحابة الأكابر و أنه أعطى بنى أمية أكثر- من الناس. فأجاب على عن ذلك: أما الحمى فأنما حماه لا بل الصدقة لتسمن، و لم يحمه لإبله و لا لغنمه و قد حماه عمر من قبله. و أما المصاحف فإنما حرق ما وقع فيه اختلاف، و أبقى لهم المتفق عليه، كما ثبت في العرضة الأخيرة، و أما إتمامه الصلاة بمكة، فإنه كان قد تأهل بها و نوى الاقامة فأتمها، و أما توليته الأحداث فلم يول إلا رجلا سويا عدلا، و قد ولى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عتاب بن أسيد على مكة و هو ابن عشرين سنة، و ولى أسامة بن زيد بن حارثة. و طعن الناس في إمارته فقال انه لخليق بالإمارة و أما إيثاره قومه بنى أمية. فقد كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يؤثر قريشا على الناس، و و اللَّه لو أن مفتاح الجنة بيدي لأدخلت بنى أمية إليها.
و يقال: إنهم عتبوا عليه في عمار و محمد بن أبى بكر، فذكر عثمان عذره في ذلك، و أنه أقام فيهما ما كان يجب عليهما. و عتبوا عليه في إيوائه الحكم بن أبى العاص، و قد نفاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى الطائف، فذكر أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان قد نفاه إلى الطائف ثم رده، ثم نفاه إليها، قال فقد نفاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم رده، و روى أن عثمان خطب الناس بهذا كله بمحضر من الصحابة، و جعل يستشهد بهم فيشهدون له فيما فيه شهادة له. و يروى أنهم بعثوا طائفة منهم فشهدوا خطبة عثمان هذه، فلما تمهدت الأعذار و انزاحت عللهم و لم يبق لهم شبهة، أشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم فصفح عنهم، رضى اللَّه عنه. و ردهم إلى قومهم فرجعوا خائبين من حيث أتوا، و لم ينالوا شيئا مما كانوا أملوا و راموا، و رجع على إلى عثمان، فأخبره برجوعهم عنه، و سماعهم منه، و أشار على عثمان أن يخطب الناس خطبة يعتذر إليهم فيها مما كان وقع من الأثرة لبعض أقاربه، و يشهدهم عليه بأنه قد تاب من ذلك، و أناب إلى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين قبله، و أنه لا يحيد عنها، كما كان الأمر أولا في مدة ست سنين الأول، فاستمع عثمان هذه النصيحة، و قابلها بالسمع و الطاعة، و لما كان يوم الجمعة و خطب الناس، رفع يديه في أثناء الخطبة، و قال اللَّهمّ إني أستغفرك