البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٠ - ثم دخلت سنة خمس و ثلاثين ففيها مقتل عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه
قد علمت ضوامر المطي* * * و ضمرات عوج القسي
أن الأمير بعده على* * * و في الزبير خلف رضىّ
و طلحة الحامى لها ولى
فلما سمعها معاوية لم يزل ذلك في نفسه حتى كان ما كان على ما سنذكره في موضعه إن شاء اللَّه و به الثقة. قال ابن جرير: و في هذه السنة مات أبو عبس بن جبير بالمدينة و هو بدري. و مات أيضا مسطح بن أثاثة. و غافل بن البكير. و حج بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان رضى اللَّه تعالى عنه.
ثم دخلت سنة خمس و ثلاثين ففيها مقتل عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه
و كان السبب في ذلك أن عمرو بن العاص حين عزله عثمان عن مصر ولى عليها عبد اللَّه بن سعد ابن أبى سرح. و كان سبب ذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو بن العاص مقهورين معه لا يستطيعون ان يتكلموا بسوء في خليفة و لا أمير فما زالوا حتى شكوه إلى عثمان لينزعه عنهم و يولى عليهم من هو ألين منه. فلم يزل ذلك دأبهم حتى عزل عمرا عن الحرب و تركه على الصلاة، و ولى على الحرب و الخراج عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح. ثم سعوا فيما بينهما بالنميمة فوقع بينهما، حتى كان بينهما، كلام قبيح. فأرسل عثمان فجمع لابن أبى سرح جميع عمالة مصر، خراجها [و حربها] و صلاتها، و بعث إلى عمرو يقول له: لا خير لك في المقام عند من يكرهك، فأقدم إلى، فانتقل عمرو بن العاص إلى المدينة و في نفسه من عثمان أمر عظيم و شر كبير فكلمه فيما كان من أمره بنفس، و تقاولا في ذلك، و افتخر عمرو بن العاص بأبيه على عثمان، و أنه كان أعز منه. فقال له عثمان: دع هذا فإنه من أمر الجاهلية. و جعل عمرو بن العاص يؤلب الناس على عثمان. و كان بمصر جماعة يبغضون عثمان و يتكلمون فيه بكلام قبيح على ما قدمنا، و ينقمون عليه في عزله جماعة من عليّة الصحابة و توليته من دونهم، أو من لا يصلح عندهم للولاية.
و كره أهل مصر عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح، بعد عمرو بن العاص، و اشتغل عبد اللَّه بن سعد عنهم بقتال أهل المغرب، و فتحه بلاد البربر و الأندلس و إفريقية. و نشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حربه و الإنكار عليه، و كان عظم ذلك مسندا إلى محمد بن أبى بكر، و محمد بن أبى حذيفة، حتى استنفرا نحوا من ستمائة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب، لينكروا على عثمان فساروا إليها تحت أربع رفاق، و أمر الجميع إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، و عبد الرحمن بن عديس البلوى، و كنانة بن بشر التجيبي، و سودان بن حمران السكونيّ. و أقبل معهم محمد بن أبى بكر، و أقام بمصر محمد بن أبى حذيفة يؤلب الناس و يدافع عن هؤلاء. و كتب عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء القوم إلى المدينة منكرين عليه في صفة معتمرين. فلما اقتربوا من المدينة أمر عثمان على بن أبى طالب أن يخرج إليهم ليردهم إلى بلادهم قبل أن يدخلوا المدينة. و يقال: بل ندب الناس إليهم، فانتدب على لذلك فبعثه،