البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٤ - أبو ذر الغفاريّ
أو لم و لو بشاة»
قال فكثر ماله حتى قدمت له سبعمائة راحلة تحمل البر و تحمل الدقيق و الطعام، قال:
فلما دخلت المدينة سمع لأهل المدينة رجة، فقالت عائشة: ما هذه الرجة؟ فقيل لها عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف سبعمائة تحمل البر و الدقيق و الطعام.
فقالت عائشة: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول «يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنة حبوا»
فلما بلغ عبد الرحمن ذلك قال: أشهدك يا أمه أنها بأحمالها و أحلاسها و أقتابها في سبيل اللَّه. و قال الامام أحمد: ثنا عبد الصمد بن حسان ثنا عمارة- هو ابن زاذان- عن ثابت عن أنس قال: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتا في المدينة قالت:
ما هذا؟ قالوا عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل كل شيء- قال و كانت سبعمائة بعير- قال فارتجت المدينة من الصوت،
فقالت عائشة سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «قد رأيت عبد الرحمن ابن عوف يدخل الجنة حبوا»
فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فقال: لئن استطعت لأدخلها قائما، فجعلها بأقتابها و أحمالها في سبيل اللَّه. فقد تفرد به عمارة بن زاذان الصيدلاني و هو ضعيف. و أما قوله في سياق عبد بن حميد: إنه آخى بينه و بين عثمان بن عفان، فغلط محض مخالف لما في صحيح البخاري من أن الّذي آخى بينه و بينه إنما هو سعد بن الربيع الأنصاري رضى اللَّه عنهما، و ثبت في الصحيح أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صلى وراءه الركعة الثانية من صلاة الفجر في بعض الأسفار، و هذه منقبة عظيمة لا تباري. و لما حضرته الوفاة أوصى لكل رجل ممن بقي من أهل بدر بأربعمائة دينار- و كانوا مائة- فأخذوها حتى عثمان و على، و قال على: اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها، و سبقت زيفها و أوصى لكل امرأة من أمهات المؤمنين بمبلغ كثير حتى كانت عائشة تقول سقاه اللَّه من السلسبيل.
و أعتق خلقا من مماليكه ثم ترك بعد ذلك كله مالا جزيلا، من ذلك ذهب قطع بالفئوس حتى مجلت أيدي الرجال، و ترك ألف بعير و مائة فرس، و ثلاثة آلاف شاة ترعى بالبقيع، و كان نساؤه أربعا فصولحت إحداهن من ربع الثمن بثمانين ألفا، و لما مات صلى عليه عثمان بن عفان، و حمل في جنازته سعد بن أبى وقاص، و دفن بالبقيع عن خمس و سبعين سنة. و كان أبيض مشربا حمرة حسن الوجه، دقيق البشرة، أعين أهدب الأشفار، أقنى، له جمة، ضخم الكفين، غليظ الأصابع، لا يغير شيبة رضى اللَّه عنه.
أبو ذر الغفاريّ
و اسمه جندب بن جنادة على المشهور، أسلم قديما بمكة فكان رابع أربعة أو خامس خمسة.
و قصة إسلامه تقدمت قبل الهجرة، و هو أول من حيا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بتحية الإسلام، ثم رجع إلى بلاده و قومه، فكان هناك حتى هاجر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى المدينة فهاجر بعد الخندق ثم لزم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حضرا و سفرا، و روى عنه أحاديث كثيرة، و جاء في فضله أحاديث كثيرة، من