البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦ - وقعة جرت بالعراق بعد مجيء خالد إلى الشام
فبينا نحن فيها إذا أرسل إلينا بطريقها فجئناه فقال: أنتما من العرب؟ قلنا نعم! قال: و على النصرانية؟
قلنا: نعم. فقال: ليذهب أحدكما فليتجسس لنا عن هؤلاء القوم و رأيهم، و ليثبت الآخر على متاع صاحبه. ففعل ذلك أحدنا، فلبث مليا ثم جاءه فقال: جئتك من عند رجال دقاق يركبون خيولا عتاقا، أما الليل فرهبان، و أما النهار ففرسان، يريشون النبل و يبرونها، و يثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثا ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن و الذكر. قال فالتفت إلى أصحابه و قال: أتاكم منهم ما لا طاقة لكم به.
انتقال إمرة الشام من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة في الدولة العمرية و ذلك بعد وقعة اليرموك
و صيرورة الإمرة بالشام إلى أبي عبيدة، فكان أبو عبيدة أول من سمى أمير الأمراء.
قد تقدم أن البريد قدم بموت الصديق و المسلمون مصافو الروم يوم اليرموك. و أن خالدا كتم ذلك عن المسلمين لئلا يقع وهن، فلما أصبحوا أجلى لهم الأمر و قال ما قال، ثم شرع أبو عبيدة في جمع الغنيمة و تخميسها، و بعث بالفتح و الخمس مع قباب بن أشيم إلى الحجاز، ثم نودي بالرحيل إلى دمشق، فساروا حتى نزلوا مرج الصفر، و بعث أبو عبيدة بين يديه طليعة أبا أمامة الباهلي و معه رجلان من أصحابه. قال أبو أمامة: فسرت فلما كان ببعض الطريق أمرت الآخر [١] فكمن هناك و سرت أنا وحدي حتى جئت باب البلد، و هو مغلق في الليل و ليس هناك أحد، فنزلت و غرزت رمحي بالأرض و نزعت لجام فرسي، و علقت عليه مخلاته و نمت، فلما أصبح الصباح قمت فتوضأت و صليت الفجر، فإذا باب المدينة يقعقع فلما فتح حملت على البواب فطعنته بالرمح فقتلته، ثم رجعت و الطلب ورائي فلما انتهينا إلى الرجل الّذي في الطريق من أصحابى ظنوا أنه كمين فرجعوا عنى، ثم سرنا حتى أخذنا الآخر و جئت إلى أبى عبيدة فأخبرته بما رأيت، فأقام أبو عبيدة ينتظر كتاب عمر فيما يعتمده من أمر دمشق، فجاءه الكتاب يأمره بالمسير إليها، فساروا إليها حتى أحاطوا بها. و استخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب في خيل هناك.
وقعة جرت بالعراق بعد مجيء خالد إلى الشام
و ذلك أن أهل فارس اجتمعوا بعد مقتل ملكهم و ابنه على تمليك شهريار بن أردشير بن شهريار و استغنموا غيبة خالد عنهم فبعثوا إلى نائبة المثنى بن حارثة جيشا كثيفا نحوا من عشرة آلاف عليهم هرمز بن حادويه، و كتب شهريار إلى المثنى: إني قد بعثت إليك جندا من وحش أهل فارس إنما هم رعاة الدجاج و الخنازير، و لست أقاتلك إلا بهم. فكتب إليه المثنى: من المثنى إلى شهريار
[١] كذا في الأصلين و لعل فيه سقطا.