البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٦ - خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه ثم استهلت سنة أربع و عشرين
يشير إلا بعثمان بن عفان، حتى أنه قال لعلى: أ رأيت إن لم أو لك بمن تشير به على؟ قال: [بعثمان.
و قال لعثمان: أ رأيت إن لم أولك بمن تشير به؟] [١] قال: بعلي بن أبى طالب. و الظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر الأمر في ثلاثة، و ينخلع عبد الرحمن منها لينظر الأفضل و اللَّه عليه و الإسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه. ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنه يستشير الناس فيهما و يجمع رأى المسلمين برأي رءوس الناس و أقيادهم جميعا و أشتاتا، مثنى و فرادى، و مجتمعين، سرا و جهرا، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، و حتى سأل الولدان في المكاتب، و حتى سأل من يرد من الركبان و الاعراب إلى المدينة، في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنين يختلفين في تقدم عثمان بن عفان، إلا ما ينقل عن عمار و المقداد أنهما أشارا بعلي بن أبى طالب، ثم بايعا مع الناس على ما سنذكره، فسعى في ذلك عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة و دعاء و استخارة، و سؤالا من ذوى الرأى عنهم، فلم يجد أحدا يعدل بعثمان بن عفان رضى اللَّه عنه، فلما كانت الليلة يسفر صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر بن الخطاب جاء إلى منزل ابن أخته المسور بن مخرمة فقال: أ نائم يا مسور؟ و اللَّه لم أغتمض بكثير نوم منذ ثلاث، اذهب فادع إلى عليا و عثمان قال المسور: فقلت بأيهما أبدأ؟ فقال بأيهما شئت، قال فذهبت إلى على فقلت أجب خالي، فقال أمرك أن تدعو معى أحدا؟ قلت: نعم! قال: من؟ قلت: عثمان بن عفان، قال: بأينا بدأ؟
قلت لم يأمرني بذلك، بل قال أدعو لي أيهما شئت أولا، فجئت إليك قال فخرج معى فلما مررنا بدار عثمان بن عفان جلس على حتى دخلت فوجدته يوتر مع الفجر، فقال لي كما قال لي على سواء، ثم خرج فدخلت بهما على خالي و هو قائم يصلى، فلما انصرف أقبل على على و عثمان فقال إنما قد سألت الناس عنكما فلم أجد أحدا يعدل بكما أحدا، ثم أخذ العهد على كل منهما أيضا لئن ولاه ليعدلن، و لئن ولى عليه ليسمعن و ليطيعن، ثم خرج بهما إلى المسجد و قد لبس عبد الرحمن العمامة التي عممه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و تقلد سيفا، و بعث إلى وجوه الناس من المهاجرين و الأنصار، و نودي في الناس عامة الصلاة جامعة، فامتلأ المسجد حتى غص بالناس، و تراص الناس و تراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس إلا في أخريات الناس- و كان رجلا حييا رضى اللَّه عنه-
ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فوقف وقوفا طويلا، و دعا دعاء طويلا، لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس، إني سألتكم سرا و جهرا بأمانيكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما على و إما عثمان، فقم إلى يا على، فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب اللَّه و سنة نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) و فعل أبى بكر و عمر؟ قال: اللَّهمّ لا و لكن على جهدي من ذلك و طاقتي، قال
[١] زيادة من المصرية.