البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٥ - خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه ثم استهلت سنة أربع و عشرين
و إن يرد اللَّه بكم خيرا يجمعكم على خير هؤلاء، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم (صلى اللَّه عليه و سلم)، و من تمام ورعه لم يذكر في الشورى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل لأنه ابن عمه خشي أن يراعى فيولي لكونه ابن عمه، فلذلك تركه. و هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، بل جاء في رواية المدائني عن شيوخه أنه استثناه من بينهم، و قال لست مدخله فيهم، و قال لأهل الشورى يحضركم عبد اللَّه- يعنى ابنه- و ليس إليه من الأمر شيء- يعنى بل يحضر الشورى و يشير بالنصح و لا يولى شيئا- و أوصى أن يصلى بالناس صهيب بن سنان الرومي ثلاثة أيام حتى تنقضي الشورى، و أن يجتمع أهل الشورى و يوكل بهم أناس حتى ينبرم الأمر، و وكل بهم خمسين رجلا من المسلمين و جعل عليهم مستحثا أبا طلحة الأنصاري، و المقداد بن الأسود الكندي، و قد قال عمر بن الخطاب: ما أظن الناس يعدلون بعثمان و على أحدا، إنهما كانا يكتبان الوحي بين يدي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بما ينزل به جبريل عليه.
قالوا: فلما مات عمر رضى اللَّه عنه و أحضرت جنازته تبادر إليها على و عثمان أيهما يصلى عليه، فقال لهما عبد الرحمن بن عوف: لستما من هذا في شيء، إنما هذا إلى صهيب الّذي أمره عمر أن يصلى بالناس. فتقدم صهيب و صلى عليه، و نزل في قبره مع ابنه عبد اللَّه أهل الشورى سوى طلحة فإنه كان غائبا، فلما فرغ من شأن عمر جمعهم المقداد بن الأسود في بيت المسور بن مخرمة، و قيل في حجرة عائشة، و قيل في بيت المال، و قيل في بيت فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس، و الأول أشبه و اللَّه أعلم. فجلسوا في البيت و قام أبو طلحة يحجبهم، و جاء عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة فجلسا من وراء الباب فحصبهم سعد بن أبى وقاص و طردهما و قال جئتما لتقولا حضرنا أمر الشورى؟
رواه المدائني عن مشايخه و اللَّه أعلم بصحته.
و المقصود أن القوم خلصوا من الناس في بيت يتشاورون في أمرهم، فكثر القول، و علت الأصوات و قال أبو طلحة: إني كنت أظن أن تدافعوها و لم أكن أظن أن تنافسوها، ثم صار الأمر بعد حضور طلحة إلى أن فوض ثلاثة منهم ما لهم في ذلك إلى ثلاثة، ففوض الزبير ما يستحقه من الامارة إلى على، و فوض سعد ماله في ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف، و ترك طلحة حقه إلى عثمان ابن عفان رضى اللَّه عنه، فقال عبد الرحمن لعلى و عثمان: أيكما يبرأ من هذا الأمر فنفوض الأمر إليه و اللَّه عليه و الإسلام ليولين أفضل الرجلين الباقيين فأسكت الشيخان على و عثمان، فقال عبد الرحمن:
إني أترك حقي من ذلك و اللَّه على و الإسلام أن أجتهد فأولى أولاكما بالحق، فقالا نعم! ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل، و أخذ عليه العهد و الميثاق لئن ولاه ليعدلن و لئن ولى عليه ليسمعن و ليطيعن، فقال كل منهما نعم! ثم تفرقوا، و يروى أن أهل الشورى جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه، فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى و غيرهم فلا