البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٨ - غزو المسلمين بلاد خراسان مع الأحنف بن قيس
و كان أمارة النصر و الرشد، و جاءت الأتراك و الفرس في جمع عظيم هائل مزعج، فقام الأحنف في الناس خطيبا فقال: إنكم قليل و عدوكم كثير، فلا يهولنكم، (فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن اللَّه و اللَّه مع الصابرين) فكانت الترك يقاتلون بالنهار و لا يدرى الأحنف أين يذهبون في الليل. فسار ليلة مع طليعة من أصحابه نحو جيش خاقان، فلما كان قريب الصبح خرج فارس من الترك طليعة و عليه طوق و ضرب بطبله فتقدم إليه الأحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الأحنف فقتله و هو يرتجز.
ان على كل رئيس حقا* * * أن يخضب الصعدة أو يندقا
ان لها شيخا بها ملقى* * * بسيف أبى حفص الّذي تبقى
قال: ثم استلب التركي طوقه و وقف موضعه، فخرج آخر عليه طوق و معه طبل فجعل يضرب بطبله، فتقدم إليه الأحنف فقتله أيضا و استلبه طوقه و وقف موضعه فخرج ثالث فقتله و أخذ طوقه.
ثم أسرع الأحنف الرجوع إلى جيشه و لا يعلم بذلك أحد من الترك بالكلية. و كان من عادتهم أنهم لا يخرجون من صبيتهم حتى تخرج ثلاثة من كهولهم بين أيديهم يضرب الأول بطبله، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم يخرجون بعد الثالث. فلما خرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث، فأتوا على فرسانهم مقتلين، تشاءم بذلك الملك خاقان و تطير، و قال لعسكره: قد طال مقامنا و قد أصيب هؤلاء القوم بمكان لم نصب بمثله، ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير، فانصرفوا بنا. فرجعوا إلى بلادهم و انتظرهم المسلمون يومهم ذلك ليخرجوا إليهم من شعبهم فلم يروا أحدا منهم، ثم بلغهم انصرافهم إلى بلادهم راجعين عنهم [و قد كان يزدجرد- و خاقان في مقابلة الأحنف بن قيس و مقاتلته- ذهب] [١] إلى مرو الشاهجان فحاصرها و حارثة بن النعمان بها و استخرج منها خزانته التي كان دفنها بها، ثم رجع و انتظره خاقان ببلخ حتى رجع إليه.
و قد قال المسلمون للأحنف: ما ترى في اتباعهم؟ فقال: أقيموا بمكانكم و دعوهم. و قد أصاب الأحنف في ذلك، فقد جاء في الحديث «اتركوا الترك ما تركوكم» و قد رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً. و رجع كسرى خاسرا الصفقة لم يشف له غليل، و لا حصل على خير، و لا انتصر كما كان في زعمه، بل تخلى عنه من كان يرجو النصر منه، و تنحى عنه و تبرأ منه أحوج ما كان إليه، و بقي مذبذبا لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا و تحير في أمره ما ذا يصنع؟ و إلى أين يذهب؟ و قد أشار عليه بعض أولى النهى من قومه حين قال: قد عزمت أن أذهب إلى بلاد الصين أو أكون مع خاقان في بلاده
[١] سقط من الحلبية.