البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٧ - غزو المسلمين بلاد خراسان مع الأحنف بن قيس
غزو المسلمين بلاد خراسان مع الأحنف بن قيس
و ذلك أن الأحنف بن قيس هو الّذي أشار على عمر بأن يتوسع المسلمون بالفتوحات في بلاد العجم، و يضيقوا على كسرى يزدجرد، فإنه هو الّذي يستحث الفرس و الجنود على قتال المسلمين.
فأذن عمر بن الخطاب في ذلك عن رأيه، و أمرّ الأحنف، و أمره بغزو بلاد خراسان. فركب الأحنف في جيش كثيف إلى خراسان قاصدا حرب يزدجرد، فدخل خراسان فافتتح هراة عنوة و استخلف عليها صحار بن فلان العبديّ، ثم سار إلى مرو الشاهجان و فيها يزدجرد، و بعث الأحنف بين يديه مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير إلى نيسابور، و الحارث بن حسان إلى سرخس. و لما اقترب الأحنف من مرو الشاهجان، ترحل منها يزدجرد إلى مروالروذ [فافتتح الأحنف مرو الشاهجان فنزلها. و كتب يزدجرد حين نزل مروالروذ] [١] إلى خاقان ملك الترك يستمده، و كتب إلى ملك الصفد [يستمده، و كتب إلى ملك الصين] [٢] يستعينه. و قصده الأحنف بن قيس إلى مروالروذ و قد استخلف على مرو الشاهجان حارثة بن النعمان، و قد وفدت إلى الأحنف أمداد من أهل الكوفة مع أربعة أمراء، فلما بلغ مسيره إلى يزدجرد [ترحل إلى بلخ، فالتقى معه ببلخ يزدجرد] [٣] فهزمه اللَّه عز و جل و هرب هو و من بقي معه من جيشه فعبر النهر و استوثق ملك خراسان على يدي الأحنف ابن قيس، و استخلف في كل بلدة أميرا، و رجع الأحنف فنزل مروالروذ، و كتب إلى عمر بما فتح اللَّه عليه من بلاد خراسان بكمالها. فقال عمر: وددت أنه كان بيننا و بين خراسان بحر من نار.
فقال له على: و لم يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن أهلها سينقضون عهدهم ثلاث مرات فيجتاحون في الثالثة، فقال: يا أمير المؤمنين [لأن يكون ذلك بأهلها، أحب إلى من] [٤] أن يكون ذلك بالمسلمين و كتب عمر إلى الأحنف ينهاه عن العبور إلى ما وراء النهر. و قال: احفظ ما بيدك من بلاد خراسان. و لما وصل رسول يزدجرد إلى اللذين استنجد بهما لم يحتفلا بأمره، فلما عبر يزدجرد النهر و دخل في بلادهما تعين عليهما إنجاده في شرع الملوك، فسار معه خاقان الأعظم ملك الترك، و رجع يزدجرد بجنود عظيمة فيهم ملك التتار خاقان، فوصل إلى بلخ و استرجعها، و فر عمال الأحنف [إليه إلى مروالروذ، و خرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الأحنف] [٥] بمروالروذ فتبرز الأحنف بمن معه من أهل البصرة و أهل الكوفة و الجميع عشرون ألفا فسمع رجلا يقول لآخر:
إن كان الأمير ذا رأى فإنه يقف دون هذا الجبل فيجعله وراء ظهره و يبقى هذا النهر خندقا حوله فلا يأتيه العدو إلا من جهة واحدة. فلما أصبح الأحنف أمر المسلمين فوقفوا في ذلك الموقف بعينه،
[ (١، ٢، ٣، ٤، ٥)] سقط من الحلبية.