نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٣٤ - الزراعة و الغراسة
قال الحبشي: و قد عدّ العلماء الزراعات من فرض الكفاية في كثير من المصنفات، لأنه لا يقوم الدين و الدنيا إلّا بها فإن تركها كل الناس أثموا كلهم. انظر كتاب البركة.
و قال القاري في شرح المشكاة على حديث: (لا يدخل هذا أي المحراث بيت قوم إلا دخله الذل) [١] و هو في الصحيح عن أبي أمامة قال: بعض علمائنا: ظاهر هذا الحديث أن الزراعة تورث المذلة، و ليس كذلك؛ لأن الزراعة مستحبة، لأن فيها نفعا للناس و لخبر:
«اطلبوا الخير من خباياها» بل إنما قال ذلك لئلا يشتغل الصحابة بالعمارات و ترك الجهاد فيغلب عليهم العدو، و أي ذلك أشد من ذلك؟ و قيل: هذا في حق من يقرب العدو، و لأنه لو اشتغل بالحرث و ترك الجهاد لأدى إلى الذل بغلبة العدو عليه ا ه.
و في النهاية لابن الأثير على حديث ما دخلت السكة دار قوم الّا ذلوا أي التي تحرث بها الأرض، أي أن المسلمين إذا اقبلوا على الدهقنة و الزراعة شغلوا عن الغزو و أخذ السلطان بالمطالبات و الجبايات و قريب من هذا الحديث قوله: «العز في نواصي الخيل و الذل في أذناب البقر» ا ه منها، و نقل الفتني في مجمع بحار الأنوار عن الكرماني، على الحديث المذكور: و الحاصل أن فيها ذلك الدنيا و عز الآخرة لما فيها من الثواب بانتفاع ذي كبد، و هو أفضل المكاسب على الصحيح. و نقل عن الطيبي في شرح المشكاة: وجه الذل أن اختياره لجبن في النفس، أو قصور في الهمة، و أكثرهم يلزمون بالحقوق السلطانية، و لو آثروا الجهاد لدرت عليهم الأرزاق و اتسعت المواهب ا ه.
كما قرر ابن خالدون في مقدمة العبر أن الفلاحة من معاش المستضعفين من البدو، و علل ذلك بسببين قال: الثاني أن منتحلها مخصوص بالهوان و الذلة، ففي الحديث: أنه (عليه السلام) قال و قد رأى السكة في بعض الأنصار: و ما دخلت هذه دار قوم إلا دخلها الذل لكن حمله البخاري على الاستكثار منها قال و به و اللّه أعلم ما يتبعها من المضرة المفضي لتحكم اليد الغالبة إلى مذلة المغلوب و قهره ا ه قال ابن الأزرق إثره في بدائع السلك: و وجه آخر أن الإكثار منها مظنة لنسيان الدفاع عن البلاد، الذي به العز و الحماية كما يلوح من توجيه البخاري، و يشهد له ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر رفعه: إذا تبايعتم بالعينة و أخذتم بأذناب البقر و رضيتم بالزرع و تركتم الجهاد سلط اللّه عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ا ه و قال القسطلاني كان العمل في الأراضي أول ما فتحت على أهل الذمة، فكان الصحابة يكرهون تعاطي ذلك.
و قال في الفتح: و قد أشار البخاري إلى الجمع بين حديث أبي أمامة و الحديث السابق في فضل الغرس و الزرع و ذلك بأحد امرين: إما أن يحمل على ما ورد من الذم على ذلك و محله إذا اشتغل به فضيع ما أمر بحفظه، و أما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد فيه ا ه.
[١] هو في الصحيح للبخاري انظره ج ٣ ص ٦٦ من كتاب الحرث و المزارعة.