نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٣١ - باب في ذكر ما بثه
للمجذومين، فيه فائدة عظيمة، و هي أن الطبيعة نقالة، فإذا أدام النظر إلى المجذوم خيف عليه أن يصيبه ذلك بنقل الطبيعة، و قد جرب بين الناس أن المجامع إذا نظر إلى شيء عند الجماع، و أدام النظر إليه انتقل منه صفته إلى الولد. و ذكر البيهقي و غيره أن المصطفى تزوج امرأة من غفار، فدخل عليها فأمرها فنزعت ثيابها، فرأى بياضا عند ثديها، فانحاز النبي (صلى الله عليه و سلم) عن الفراش، فلما أصبح قال: الحقي بأهلك، و حمل لها صداقها ا ه.
و في الهدي النبوي لابن القيم أيضا، و سفر السعادة للمجد الفيروزآبادي: لم يجمع (صلى الله عليه و سلم) بين سمك و لبن، و لا بين لبن و شيء من الحوامض، و لا بين غذاءين حارين، و لا باردين لزجين، و لا بين قابضين، و قابض و مسهل، و لا مسهلين، و لا بين غليظين، و لا بين سريع الهضم و بطيئه، و لا بين مشوى و مطبوخ، و لا بين قديد و رطب، و لا بين الحليب و البيض، و لا بين اللحم و الحليب، و لا أكل طعاما بائتا، و لا ما فيه عفونة من الأطعمة، و لم يثبت أنه تناول شيئا من الملوحات و المخللات، و ثبت أنه شرب الحليب المشوب بالماء، و ماء التمر المنقع للهضم، و العسل الممزوج بماء بارد في غاية البرودة ا ه.
و انظر بسط الكلام على مآكله (صلى الله عليه و سلم) و ما يتعلق بذلك في المناهج السنية للفاكهي، و تأليف سيدنا الوالد في السنة تر عجبا عجابا. و من المهاترة ما ذكره الفيلسوف ابن خالدون في مقدمة تاريخه حين فصل أنواع الطب و مستنداته قال: و للبادية من أهل العمران طب بنوه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص، متوارثة عن مشايخ الحي و عجائزه، و ربما يصح فيه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي، و لا موافقة المزاج. و كان في العرب أطباء من هذا القبيل معروفون، كالحارث بن كلدة و غيره، و الطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل، و ليس من الوحي في شيء، و إنما هو أمر كان عاديا عند العرب ا ه كلامه الخشن.
و للّه در العلامة الشيخ عبد الهادي الأبياري المصري، إذ قال إثره في سعود المطالع ص ١٥٥ ج ٢ ما نصه: و أقول: هذه هفوة لا ينبغي النظر إليها، كيف و قد قال (عليه السلام) للمبطون الذي أمره بشرب العسل، فلم ينجح: صدق اللّه و كذب بطنك ا ه.
و إذا قرأت كلام الشيخ داود الذي سقناه لك أولا تعلم أن عقيدته في هذه المسألة أسلم مما لابن خالدون، و الجواد قد يكبو و الكمال للّه.
و لنختم هذا المبحث بلطيفة ذكرها السيوطي في الإكليل، نقلا عن كتاب العجائب للكرماني، قال طبيب نصراني لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، و العلم علمان علم الأبدان و علم الأديان فقال له: جمع اللّه الطب في نصف آية، و هي قوله: كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١]، فقال الطبيب: ما ترك كتابكم لجالينوس طبا ا ه.