شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٣١ - «الشرح»
..........
التّشبه بالباري جلّ شأنه فانّه يقبل قليل الحسنات من عباده و يضاعفه أضعافا كثيرة و في الأدعية المأثورة «يا من يقبل القليل و يعفو عن الكثير». الثاني استكثاره تعظيم للنعمة و المنعم، و كلاهما مطلوب و استقلاله تحقير لهما و هو مذموم جدّا. الثالث استكثاره نوع من الشكر و هو يوجب الزّيادة لقوله تعالى:
«لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» و لما رواه مسمع بن عبد الملك قال: كنّا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) بمنى و بين أيدينا عنب نأكله فجاء سائل فسأله فأمر بعنقود فأعطيته فقال السائل: لا حاجة لي في هذا إن كان درهم، قال: يسع اللّه عليك، فذهب ثمّ رجع فقال ردّوا العنقود فقال: يسع اللّه لك و لم يعطه شيئا، ثمّ جاء سائل آخر فأخذ أبو عبد اللّه (عليه السلام) ثلاث حبّات عنب فناولها، إيّاه فأخذ السائل من يده ثمّ قال: الحمد للّه ربّ العالمين الذي رزقني، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): مكانك فحثا ملأ كفّيه عنبا فناولها إيّاه، فأخذها السائل من يده، ثمّ قال: الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ*.
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): مكانك، يا غلام أيّ شيء معك من الدّراهم فاذا معه نحو من عشرين درهما فيما حرزناه [١] أو نحوها فناوله إيّاها، فأخذها ثمّ قال: الحمد للّه هذا منك وحدك لا شريك لك فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): مكانك فخلع قميصا كان عليه فقال: البس هذا، فلبسه، ثمّ قال: الحمد للّه الّذي كسانى و سترنى يا أبا عبد اللّه أو قال: جزاك اللّه خيرا، لم يدع لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إلّا بذا ثمّ انصرف، فذهب فظننا أنّه لو لم يدع له لم يزل يعطيه لأنّه كلّما كان يعطيه حمد اللّه أعطاه [٢]».
(و يستقلّ كثير المعروف من نفسه)
(١) لأنّ العاقل يعلم أنّ في استعظام ما أعطاه من المعروف مفاسد شتّى منها أنّه يؤذي الآخذ و أذاه يحبط الأجر لقوله تعالى «قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهٰا أَذىً وَ اللّٰهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ» و منها أنّه
[١] الحرز تعيين مقدار شيء بالتخمين. (ش)
[٢] رواه الكلينى في الفروع كتاب الزكاة أبواب الصدقة باب النوادر تحت رقم ١٢.