شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٩٤ - «الشرح»
..........
و علم رفيع لا يعمى منه أبصار السائرين، و بحر زاخر لا يصل إلى قعره غوص العارفين، و منهج واضح لا يزلّ فيه قدم السالكين، و شجرة نصوص لا يتحرّك بهبوب صرصر الشبهات أوراقه و أغصانه. و بنيان مرصوص لا ينهدم بحوادث الخطرات حيطانه و اركانه، و ناطق فصيح لا ينقطع بشبه المخالفين دلائله و برهانه، و ناصر معين لا يخذل بهجوم المعاندين أنصاره و أعوانه، و نور ساطع في قلوب أرباب العرفان، و شعاع لامع في صدور أصحاب الايمان، و معدن الفضل و التوحيد و العدل و الايمان، و منبع العلم و الجود و الكرم و الاحسان، و قد جعله اللّه سبحانه ريّا لعطش العلماء و ربيعا لقلوب الفقهاء، معراجا لعقول الصلحاء، و دواء ليس بعده داء، فمن أراد معارضة أقصر سورة من سوره حلّت به الندامة و ظهرت فيه الجهالة و السفاهة إذ هو مصادر لأطوار الفصاحة، و مظاهر لأسرار البلاغة الّتي يعجز عن فهمها عقول الفصحاء و يقصر عن دركها فحول البلغاء، و يتحيّر فيها أذهان مصاقع الخطباء و لذلك بعد ما خيّروا بين المعارضة باللّسان و المقابلة بالسيف و السنان أعرضوا عن الأوّل مع طول المدّة و كثرة العدّة و شدّة القوّة و غاية العصبيّة و نهاية الأنانية و كمال الحرص في الغلبة و الرسوخ في إظهار المفخرة لعلمهم بأنّ ذلك خارج عن قدرتهم و فائق على صنعتهم و بعيد عن طريقتهم فعلم أنّ ذلك وحي أنزله لهداية العباد من ظلم الضلالة و نور أظهره لارشادهم في بيداء الجهالة اللّهمّ اجعله وسيلة لنا إلى أشرف منازل الكرامة، و سببا لنجاتنا في عرصة القيمة و ذريعة نقدم بها على نعيم دار المقامة، و فيه دلالة واضحة على أن إعجاز القرآن لاشتماله على امور غريبة و ألفاظ رشيقة و معان دقيقة و نكات لطيفة، إلى غير ذلك من الامور الخارجة عن قدرة البشر، و سرّ ذلك أنّ اللّه تعالى عالم الغيب و الشهادة لا يعزب عنه مثقال ذرة فاذا رتّب لفظا فلاحاطته علما بكلّ شيء يعلم الكلمة الّتي تصلح أن تليه و يعلم وجوه المعانى و مواضع استعمالات الكلام و حسن ابتدائها و اختتامها حتّى لو أريد تغيير شيء منها بأحسن من ذلك لم يمكن و لم يوجد و ليس في قدرة البشر أن يحيطوا علما بكلّ شيء فلذلك تجد الفصيح منّا قد يصنع الخطبة