شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢٢ - «الشرح»
..........
الصبا فهبط على البيت الحرام فقام على الرّكن الشامي فضرب بجناحه فتفرّقت ريح الصبا حيث يريد اللّه في البرّ و البحر، و إذا أراد اللّه أن يبعث دبورا أمر الملك الّذي اسمه دبور فهبط على البيت الحرام فقام على الرّكن الشامي فضرب بجناحه فتفرّقت ريح الدّبور حيث يريد اللّه من البرّ و البحر، ثمّ قال (عليه السلام): أ ما تسمع لقوله [١] ريح الشمال. و ريح الجنوب، و ريح الدّبور، و ريح الصبا. إنّما تضاف إلى الملائكة: الموكلين بها».
إذا عرفت هذا فنقول: في تصريف الرّياح و منافعها دلالة واضحة على أنّ مبدعها حكيم قادر عليم بمصالح العباد أمّا الأوّل فلأنّ حركة الهواء إلى الجوانب المختلفة إراديّة بالضرورة و لا طبيعيّة لأنّ الحركة الطبيعيّة إلى جهة واحدة هي العلوّ و السفل.
و حركة الهواء إلى جهات متعدّدة فينبغى أن يكون لأمر خارج فان كان ذلك الخارج إرادة الواجب بالذات ثبت المطلوب و إن كان غيرها ننقل الكلام إلى ذلك الغير فيرجع بالآخرة إلى المطلوب، و أمّا الثاني فلانّ الرّيح تحيي الأبدان و تمسكها من داخل بما تستنشق منها و من خارج بما تباشر بها من روحها و تبلغ الأصوات و تؤدّيها إلى المسامع من البعد البعيد و لو لا ذلك لبطل نظام العالم و تحمل الأراييح الّتي تقوّي القلب و الدّماغ من موضع إلى موضع، ألا ترى كيف تأتيك الرّائحة من حيث تهبّ الرّيح و تروح عن الأجسام و تدخل في فرجها و تصير مادّة لنشوء النباتات الّتي يحتاج إليها جميع الحيوانات فى الاغتذاء و الدّواء و غيرهما فلو لا الريح لتعفّنت و فسدت و تعفّنها و فسادها يؤدّي إلى فساد الحيوان و الانسان جميعا، و تزجى السحاب من موضع إلى من موضع ليعمّ نفعه ثمّ تعصره حتّى يستكثف فيمطر ثمّ تنفضه حتّى يتخلخل و يستخفّ فيتفشّى و ينتشر، و تلقح الشجر، و تسيّر السفن، و ترخى الأطعمة، و تبرد الماء و تشبّ النّار، و تجفّف الأشياء النديّة، و تعين في تصفية الغلّات و لو ركدت دائما لفاتت هذه المصالح الجليلة و المنافع العظيمة، و حدث الكرب في النفوس، و مرض الأصحّاء و
[١] أى لقول القائل.