شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٦٤ - «الشرح»
..........
(و التّوبة و ضدّها الإصرار)
(١) التوبة في الشرع ترك الذنب لقبحه و منعه من الوصول إلى الحقّ و الندم على ما فرّط و العزم على ترك المعاودة و درك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال و ردّ المظلمة إلى صاحبها أو تحصيل البراءة منه فمتى اجتمعت هذه الامور تحقّقت حقيقة التوبة و كملت شرائطها و تاب اللّه تعالى و هي من أهمّ قواعد الإسلام و أوّل مقامات سالكى الآخرة، و قد اتّفق أهل الإسلام على وجوبها فورا و منافعها كثيرة منها أنّها تخلع ثوب الدّنس و تقطع عرق النجس، و منها أنّها تورث محبّة الرّبّ و رضوانه و الدّخول في جنانه قال اللّه تعالى «إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» و فيه فضل عظيم و شرف جسيم للتائب حيث ينال محبّة الحقّ الّتي هي أ علي مقاصد السالكين بعد ما كان في زمرة الهالكين، و قال الباقر (عليه السلام) «إنّ اللّه أشدّ فرحا بتوبة عبده من رجل أضلّ راحلته و مزاده في ليلة ظلماء فوجدها فاللّه أشدّ فرحا بتوبة عبده من ذلك الرّجل براحلته حين وجدها [١]» فانظر أيّها اللّبيب إلى هذا الحديث الشريف و علوّ مضمونه تجده كافيا في الترغيب إلى التوبة و التحريص عليها لو لم يكن غيره و لكنّ الآيات الكريمة و الروايات الشريفة في باب التوبة و بيان فضلها أكثر من أن تحصى و هي من صفات العاقل و أجناده لأنّ العاقل قصده لقاء اللّه تعالى دائما و همّه النزول في ساحة عزّه و هو يجوز ذلك في كلّ آن و يترقّبه في كلّ زمان فأكبر مقاصده و أعظم مطالبه أن يطهّر نفسه بالتوبة و الندامة على ما يوجب البعد عنه من رجس الآثام قبل انتهاء وقت التكليف بالموت و انقضاء مدّة العمل بالفوت بخلاف الجاهل فانّ وصفه الاصرار على الذّنوب و المعاصى و الاقامة على الآثام و المناهي إذ هو لعميان بصيرته و فقدان سريرته و نقصان عقيدته محجوب عن درك الآخرة و حالاتها و عن نيل عناية الحقّ و مقاماتها فيظنّ أنّ غاية خلق الانسان هي وصوله إلى هذه اللّذات الحاضرة و المنافع الدّاثرة فيستمرّ عليها و يستبشر بها، و هو من الغافلين أو يظنّ بالآخرة ظنّا ضعيفا يستعدّ به لقبول ما يتلو عليه الشياطين من
[١] الكافى كتاب الايمان و الكفر باب التوبة تحت رقم ٨.