شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢٩ - «الشرح»
..........
منزل الشباب، و ثالثها منزل الشيخوخة، فأشار جلّ شأنه إلى الأوّل من هذه الثلاثة بقوله
(ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا)
(١) أي أطفالا و إنّما أفرد لارادة الجنس و الجنس يصدق على الكثير، أو على تأويل و يخرج كلّ واحد منكم، أو لأنّه في الأصل مصدر و هو في هذا المنزل في التزايد و النموّ قوّة و كمّا، فيكمل قواه و يزيد مقداره شيئا فشيئا بحسب ما يقتضيه الطبيعة فيلقى الأشياء بذهن ضعيف و معرفة ناقصة ثمّ لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا و شيئا بعد شيء حتّى يألف الأشياء و يتمرّن عليها و يصل إلى غايته و يخرج من حدّ الحيرة فيها إلى التصرّف في المعاش بعقله و إلى الاعتبار و الطاعة و السّهو و المعصية و ذلك من تدبير الحكيم العليم، إذ لو كان النموّ دائما لعظمت الأبدان و اشتبهت المقادير حتّى لا يكون لشيء منها حدّ يعرف، و لو ولد فهما عاقلا كاملا لأنكر العالم عند ولادته و لبقي حيران تائه العقل إذ رأى ما لم يعرف و ورد عليه ما لم ير مثله و لم يأنس به من اختلاف صور العالم و الطيور و البهائم إلى غير ذلك ممّا يشاهده ساعة بعد ساعة و يوما بعد يوم و لوجد في نفسه غضاضة إذا رأى نفسه محمولا مرضعا معصبا بالخرق مسجّى في المهد، لانّه لا يستغني عن هذا كلّه لرقّة بدنه و رطوبته حين يولد و لذهبت حلاوة تربية الأولاد للأب و الامّ و ما يوجبه التربية من البرّ و العطف و لفاتت الالفة بين الأبوين و الأولاد لأنّهم يستغنون عن تربيتهما فيتفرّقون عنهما قريبا من الولادة، فلا يعرف الرّجل أباه و أمّه، و لا يمتنع من نكاح أمّه و أخته و ذوات المحارم إذ كان لا يعرفهن و لأنّه يرى و يعقل حين الولادة من أمّه ما لا يحلّ له أن يراه، فمن تفكّر في هذه الامور و غيرها علم أنّ ذلك من تدبير اللّطيف الخبير الّذي أقام كلّ شيء من الخلقة على غاية الصواب و أشار إلى الثاني بقوله
(ثُمَّ لِتَبْلُغُوا)
(٢) قيل: متعلّق بمحذوف أي ثمّ يبقيكم لتبلغوا
(أَشُدَّكُمْ)
(٣) أي كمالكم في القوّة و العقل، جمع الشدّة كالأنعم جمع النعمة و هو حدّ التكليف و وقت الشباب و كمال النشوء الّذي يكون القوى فيه أقوى من ساير أوقات العمر و يستمرّ إلى أوان شروع تلك القوى في الانحطاط و أشار إلى الثالث بقوله
(ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً)