شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٢٨ - «الشرح»
..........
و انتشار فضلهم فيما بين فرق الأنام إلى يوم القيمة، و في قوله «لا يشبع» اشارة إلى أنّ العلم غذاء القلب و حياته و به يتغذّى و يتقوى و يكمل كما أنّ الطعام غذاء البدن و حياته و قوامه، و بالجملة شبّه العلم بالغذاء إذ كما أنّ الغذاء سبب لبقاء البدن و حياته في مدّة العمر كذلك العلم سبب لبقاء النفس و سعادته في الدّارين، و لذلك يقال: الجاهل ميّت. و السّر في أنّ جوع العاقل في تحصيل العلم لا يسكن هو أنّ مراتب شوقه غير متناهية و كذا مراتب العلم كما قال سبحانه «فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ» فكلّما وصل إلى مرتبة من مراتب العلم و استضاء قلبه بنور تلك المرتبة و كمل به و استشرق، رأى فوقها مرتبة اخرى أكمل منها و أنور فيسوقه الشوق إليها و يستضيء بنورها و هكذا إلى ما شاء اللّه و من هاهنا ظهر أنّ للعاقل في كلّ آن ترقّيات و في كلّ زمان انتقالات و ابتهاجات و تلك الترقيات حقيق بأن تسمّى معارج النفوس.
(الذّلّ أحبّ إليه مع اللّه من العزّ مع غيره)
(١) لعلّ المراد أنّ ذلّ نفسه و هو مع اللّه بأخذ زمامها كيلا تتجاوز عن حدود الشريعة أحبّ إليه من عزّ نفسه و هو مع غيره بارسال زمامها لكي تجري في ميدان مرامها، فلا يرد أنّه إذا كان مع اللّه كان عزيزا لا ذليلا لقوله تعالى: «وَ لِلّٰهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَ لٰكِنَّ الْمُنٰافِقِينَ لٰا يَعْلَمُونَ» و يحتمل أن يراد بالعزّ و الذلّ ما هو المتعارف عند الناس أعنى الرّفعة فيما بينهم و عدمها يعني إذا كان المماشاة مع الناس موجبا لرفعة القدر فيما بينهم و السير في سبيل اللّه و التمسّك بحبل اللّه موجبا للذّل و وضع القدر عندهم فالعاقل هو الّذي يحبّ هذا الذّلّ و يختاره على ذلك العزّ لعلمه بأنّ في هذه الرّفعة مفاسد غير محصورة، و أنّها رفعة دنيويّة و ذلك الذّلّ رفعة أخرويّة، و الرّفعة الدّنيويّة مثل الدّنيا داثرة داحضة، بخلاف الرّفعة الاخرويّة، فانّها باقية أبدا.
(و التواضع أحبّ إليه من الشرف)
(٢) التواضع التذلّل من الوضع و هو خلاف الرّفع. و الشرف الترفّع بالنسب أو بالحسب. و المعنى أنّ العاقل هو الّذي يؤثر