شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣١٧ - «الشرح»
..........
الدّنيا قنع بما دونه و رضي و قوله (عليه السلام): «كفى بالقناعة ملكا [١]» يعني أنّ القناعة منجية عن مهلكة الالتماس كالملك و إن دخلك من ذلك شيء فانظر إلى عيش الأنبياء و الأوصياء و الأولياء و الصلحاء من قبلك و قد بلغك حال نبيّك الأطهر أنّه إنّما كان قوته الشعير و لم يشبع منه و حلواه التمر و ثوبه الخشن و وقوده السّعف إذا وجده، و أمّا ضدّها و هو الحرص في طلب زهرات الدّنيا و الانهماك في لذّاتها و جمع مشتهياتها زائدا على القدر الضروريّ الّذي يجوزه العقل و النقل فهو من شعب الانحراف في القوّة الشهويّة و طرف الافراط فيها و صاحبه مع عدم خلوّه من المشقّات لا يأمن من الوقوع في الشبهات و ارتكابه للمحرّمات و لذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «و الرّغبة مفتاح النّصب و مطيّة التعب [٢]» و قال:
الحرص داع إلى التقحّم في الذّنوب [٣]» و قال «ابن آدم: إن كنت تريد من الدّنيا ما يكفيك فانّ أيسر ما فيها يكفيك و إن كنت تريد ما لا يكفيك فانّ كلّ ما فيها لا يكفيك [٤]» و وجه ذلك ظاهر لأنّ الحريص في جمع الدنيا و زخارفها يقدم رضاه على الرّضا بما قدر اللّه له و يتبع حرصه و أمله و مراتب الحرص غير محصورة و درجات الأمل غير معدودة فلو فرض أنّه جمع له تسعة أعشار الدّنيا طلب العشر الباقى، ثمّ بعده يطلب الدّنيا مرّتين و على هذا حتّى يموت هذا حكم طلب القدر الزّائد، و أمّا طلب القدر الضروريّ له و لعياله فليس من الحرص في شيء بل هو من العبادة قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل اللّه [٥]» فلو ترك ذلك كان مذموما و ينشؤ ذلك من خمود الشهوة الذي
[١] النهج أبواب الحكم تحت رقم ٢٢٩.
[٢] المصدر ابواب الحكم تحت رقم ٣٧١
[٣] المصدر الباب تحت رقم ٣٧١ و فيه «الحرص و الكبر و الحسد دواع الى التقحم فى الذنوب».
[٤] الكافى كتاب الايمان و الكفر باب القناعة تحت رقم ٦.
[٥] الكافى ج ٥ ص ٨٨ كتاب المعيشة باب من كد على عياله.