شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٧ - «الشرح»
..........
القليل من الأعمال و معنى قوله (عليه السلام) و كثير العمل من أهل الهوى و الجهل مردود أنّه لا يؤثّر الأعمال الكثيرة في تلطيف قلوبهم و إزالة الحجاب و الغشاوة عنها لأنّ قلوبهم قاسية و نفوسهم جرمانيّة و سدّهم شديد.
(يا هشام إنّ العاقل رضي بالدّون من الدّنيا مع الحكمة)
(١) للنفس حياتان و موتان بإزاء كلّ حياة موت، الحياة الاولى للنفس تعلّقها بهذا البدن و تصرّفها بهذا النحو من التعلّق و التصرّف المعلومين، و موتها انتقالها من هذا البدن و انقطاع تعلّقها و تصرّفها فيه. الحياة الثانية ابتهاجها بكمالاتها و صفاتها و أعمالها و أخلاقها المرضيّة الموجبة لقرب الحقّ جلّ شأنه، و موتها فقدها لتلك الكمالات و الأعمال و الأخلاق و تحيّرها في ظلمات أضدادها، و العاقل يعلم قطعا أنّ الحياة الاولى حياة مجازيّة لسرعة انتقال النفس عن البدن و قلّة مدّتها، و أنّ الاحتياج إلى زهرات الدّنيا الّتي هي سبب لهذه الحياة إنّما هو يقدر بقائها في تلك المدّة القليلة و إنّ الزائد على ذلك وبال عليه و تضييع للعمر فيما لا يحتاج إليه، و يعلم أنّ الحياة الثانية حياة حقيقيّة أبديّة لعدم انصرامها أبد الآبدين و إنّ سبب هذه الحياة هي الحكمة و قد عرفت تفسيرها آنفا فيرضى مع الحكمة الموجبة للحياة الأبدية بالدون من الدّنيا و القليل منها الّذي هو سبب للحياة المجازيّة
(و لم يرض بالدّون من الحكمة)
(٢) و قليل من العلم و المعرفة
(مع الدّنيا الكثيرة)
(٣) الزائدة الّتي لا يحتاج إليها في بقاء الحياة الدّنيويّة، فأولئك اشتروا الأشرف بالأخسّ و الأعلى بالأدنى حيث استبدلوا الحكمة الّتي قال اللّه تعالى في وصفها «وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً» بما لا يحتاجون إليه من فضل الدّنيا و اختاروها عليه
(فلذلك ربحت تجارتهم)
(٤) ضمير الجمع باعتبار إرادة الجماعة من الجنس و إسناد الربح و هو الفضل على رأس المال إلى التجارة و هى طلب الرّبح بالبيع و الشرى إسناد مجازيّ لأنّ الرّبح حقيقة للتّاجر إلّا أنّ التجارة لما كانت متعلّقة بالتاجر و متلبّسة به و سببا للرّبح أسند الرّبح إليها اتّساعا. و فيه حثّ بليغ على الزّهد في الدّنيا و زهراتها إلّا القدر الّذي له مدخل في البلغة و الحياة فإنّ زهراتها مع عدم الاحتياج إليها شاغلة للفكر مانعة للقلب عن التوجّه إلى حضرة القدس، باعثة لشدّة الحساب، مقرّبة إلى العقاب، محرّكة للآمال، منسئة