شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢٣ - «الشرح»
..........
نهك المرضى [١] و فسد الثمار، و عفنت البقول، و حدث الوباء في الأبدان، و الآفة في الغلّات، و ركدت السفن، و تحيّر التجار، و بالجملة بطل نظام العالم بالكلّية، ففيها من تدبير الحكيم و مصالح الخلق ما لا يحصيه اللّسان و لا يحيط به العبارة و البيان، و كلّ هذا شواهد صادقة و آيات ناطقة بلسان حالها، مفصحة عن جلالة باريها و قدرته، و معربة عن كمال صانعها و حكمته.
(وَ السَّحٰابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ)
(١) و هو يحمل مع ما فيه من الصواعق الصادعة و البروق اللّامعة و الرعود القارعة ثقل الماء و كثّره مستقلا في الهواء و يجمع بعد تفرّقه و ينفجر بعد تمسّكه و يرفع مرّة و يدنو أخرى فتصفقه الرّياح و تسوقه و تفرّقه بأمر مدبّره و خالقه فيما بين الأرض و السماء إلى البلدان النائية فيخرج الودق من خلاله بقدر معلوم لمعاش و رزق مقسوم، و يرسل قطرة بعد قطرة و شيئا بعد شيء على رسله حتّى يغمر البرك و يملأ الفجاج، و يعتلي الأودية و تحيى به الأرض الميتة فتصبح مخضرّة بعد أن كانت مغبرة: و تعود معشبة بعد أن كانت مجدبة و تكسو ألوانا من نبات ناضرة زاهرة مزيّنة معاشا للناس و الأنعام و لو احتبس عن أزمنته و تخلّف عن وقته هلكت الخليقة و يبست الحديقة، ثمّ إذا صبّ ما فيه أقلع و تفرّق و ذهب حتّى لا يعاين و لا يدري أين يتوارى، فعرف العاقل حين تفكّر في ذلك أنّ له مدبّرا حكيما عالما حيّا قيّوما و أنّ السّحاب لو تحرّك بنفسه و صبّ ما فيه بمقتضى طبعه لما مضى به ألف فرسخ و أكثر و أقرب من ذلك و أبعد ليرسل قطرة بعد قطرة بلا هدم و لا فساد و لا سارية إلى بلدة متجاوزا عن الاخرى
(لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
(٢) أي في كلّ واحد من الامور الثمانية آية ظاهرة و دلالة واضحة على وجود الصانع و قدرته و حكمته و وحدته و استحقاقه للعبادة لقوم ينظرون إليه بعيون عقولهم الصحيحة و يعتبرونه ببصائر أذهانهم السليمة. أو في كلّ واحد منها آيات كثيرة كما يظهر لمن تأمّل فيها تأمّلا عاريا عن الأوهام الفاسدة و قد يوجّه بأنّ كلّ واحد منها يدلّ
[١] نهك الحمى فلانا: أضنته و هزلته و جهدته.