شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٩٦ - «الشرح»
..........
«رَبِّ إِنِّي لِمٰا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» و ما سأله إلّا خبزا يأكله لأنّه كان يأكل بقلة الأرض حتّى كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه [١]، و إلى حال داود (عليه السلام) فإنّه كان يعمل سفائف الخوص بيده و يقول لجلسائه أيّكم يكفينى بيعها و يأكل قرص الشعير من ثمنها، و إلى حال عيسى ابن مريم (عليهما السلام) فإنّه كان يتوسّد الحجر و يلبس الخشن و كان إدامه الجوع، و سراجه باللّيل القمر، و ظلاله في الشتاء مشارق الأرض و مغاربها، و فاكهته ما تنبت الأرض للبهائم، و لم تكن له زوجة تفتنه، و لا ولد يحزنه، و لا مال يلفته، و لا طمع يذلّه، دابّته رجلاه، و خادمه يداه. و إلى حال نبيّك الأطيب الأطهر (صلى اللّه عليه و آله) و فيه أسوة لمن تأسّى و عزاء لمن تعزّى و أحبّ الأعمال إلى اللّه تعالى التأسّي به و الاقتفاء لأثره فانّه قضم الدّنيا قضما و لم يعرها طرفا [٢] و أهضم أهل الدنيا كشحا، و أخمصهم بطنا، و عرضت عليه الدّنيا و خزاينها فأبى أن يقبلها، و قد كان (صلى اللّه عليه و آله) يأكل على الأرض، و يجلس جلسة العبد، و يخصف بيده نعله، و يرقّع بيده ثوبه، و يركب الحمار العاري و يردف خلفه، و يكون الستر على باب بعض زوجاته و يكون فيه التصاوير فيقول: لها غيّبيه عنّي فإنّي
[١] شف الثوب اى رق. و الصفاق الجلد الاسفل تحت الجلد الّذي عليه الشعر، و قيل جلد البطن كله.
[٢] الطرف نظر العين اى لم يعطها نظرة على وجه العارية فكيف بان يجعلها مطمح نظره. و الهضم محركة انضمام الجنبين و خمص البطن. و طوى عنه كشحا أى أعرض عنه و قاطعه. و الكشح: ما بين الخاصرة الى الضلع.