شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٩٠ - «الشرح»
..........
ملاحظتها الموجب لدوام إعراض النفس عن ملاحظة أحوال الآخرة و هو يوجب انمحاء ما تصوّر في العقل من تلك الأحوال و ذلك معنى النسيان و خمود نور التفكر و لذلك قيل: الدّنيا و الآخرة ضرّتان لأنّ محبّة إحداهما [١] توجب الاضرار بالاخرى
(و محا طرائف حكمته)
(١) عن لوح العقل، قال بعض الحكماء: الحكمة شيء يجعله اللّه تعالى للقلب فينوّره حتّى يدرك به المشروعات و المحظورات و يعلم المعقولات و المستحيلات، كما أنّ البصر شيء يرى به المحسوسات، و سمّى ذلك الشيء المنور للقلب حكمة تشبيها له بحكمة اللّجام و هي الحديدة المتعرّضة في فم الفرس في منع صاحبه من الخروج عن طريق الصّواب. و الطرائف جمع طريف و هو كلّ شيء مستحدث يعجبك، و الاضافة إمّا بيانيّة أو من باب جرد قطيفة أو لاميّة بأن يراد بالطرائف العلوم و الادراكات التابعة لذلك النّور
(بفضول كلامه)
(٢) الفضل الزّيادة و قد غلب جمعه على ما لا خير فيه حتى قيل: شعر فضول، و قيل: لمن يشتغل بما لا يعينه: فضوليّ، و التكلّم بما لا يعني سبب لمحو الحكمة و طرائفها لأنّ اللّسان ينبوع القلب فاذا اعتاد المتكلّم باللّغو و تقاطر منه ذلك أفاض ذلك على القلب و هو يغسل الحكمة عنه و يمحوها، و لأنّ مشرب القلب ضيق كلّما دخل فيه شيء يخرج منه ضدّه و لو لم يخرجه بقي شيء مختلط من الحقّ و الباطل و هذا ليس بحكمة كما أنّ قليلا من الماء إذا خالطه دم كثير لا يسمّى هذا المختلط ماء، و أكثر الشّبهات مبدؤها ذلك المختلط، و أيضا من أكثر الكلام فى مجلس العوام يجد لنفسه في تأثير قلوبهم حلاوة و لذّة فاذا دام على ذلك يميل طبعه الخسيس إلى كلّ كلام مزخرف يروّجونه و إن كان باطلا و يتنفر عن كلّ كلام يستثقلونه و إن كان حكمة فيصرف همّته إلى ما تحرّك قلوبهم ليعظم منزلته عندهم فلا محالة ينمحى طرائف الحكمة عن قلبه لأنّ الّذي يؤثر في قلوبهم ليس إلّا ما فهموه
[١] ان التوجه الى الامور الدنيوية يوجب انمحاء ما تصور فى العقل من احوال الآخرة. فالدنيا ضرة للآخرة و الضرتان امرأتان تحت زوج واحد اذا اقبل على إحداهما اعرض عن الاخرى، و العقل يناسب الآخرة و الحس يناسب الدنيا فان الامور الاخروية لا تدرك هنا الا بالعقل و الحس خاص بادراك ما فى الدنيا (ش).