شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٤٤٠
..........
قلب البصير)
(١) لما أشار (عليه السلام) إلى أنّ أثر العقل هو الوصول إلى غور الحكمة و البلوغ إلى نهاية كمالها، و أنّ أثر الحكمة هو الوصول إلى غور العقل و البلوغ إلى غايته، و أنّ أثر حسن السياسة هو التخلّق بالآداب الصالحة و التحلّي بالأخلاق الفاضلة، من البيّن أنّ الغرض الأصلي من هذه الآثار هو الوصول إلى قرب الحقّ و النزول في ساحة عزّه و هناك اتّحدت الغايتان و تقاربت المسافتان أشار هنا إلى أنّ مبدأ تلك الآثار و منشأ هذه الأطوار هو تفكّر قلب البصير، الفهم الذكيّ، و التفكّر هو حركة الذّهن في مقدّمات المطلوب و الانتقال عنها إليه و القلب في عرف العارفين هى النفس الإنسانية. و استعار الحياة للتفكّر إيضاحا للمقصود و تنزيلا للمعقول بمنزلة المحسوس و تنبيها على أنّ الحيوان كما يتحرّك بحياة الأبدان في عالم المحسوسات إلى تحصيل مقاصده كذلك القلب بالتفكّر يتحرّك في عالم المعقولات و المصنوعات لينتقل منها إلى عالم النظريات و عالم التوحيد ليحصل له المطالب النظريّة و معرفة الصانع و صفاته و أحوال المبدأ و المعاد أو على أنّ وجود الحيوان و بقاءه و كماله كما يكون بحياة الأبدان كذلك وجود القلب و بقاؤه و كماله في الدّارين و سعادته في النشأتين يكون بالتفكّر و إنّما أضاف القلب إلى البصير و لم يقل حياة القلب لأنّ حياة القلب حقيقة عند العامّة بحياة الجسد المعروفة و قد يراد بها معنى آخر مجازيّ و هو حياته بالعلم و الحكمة سواء كانت مع حياة الجسد أو لا فيكون ذكر البصير كالقرينة المعيّنة لارادته بتلك الحياة معناها المجازي و دلالة نسبتها إلى التفكّر على ذلك لا ينافيه، و يحتمل أن يراد بالبصير البصير بذلك التفكّر أو البصير بنور العلم أو الفهم الذّكي و فيه على الأخيرين تنبيه على أنّ التفكّر مع وجود شيء من العلم أو مع وجود الفهم و الذّكاء هو النافع في الوصول إلى غاية الحكمة و نهايتها و تحصيل المطالب العالية و المقصود أنّ التفكّر نور إلهىّ و روح ربّاني لقلب البصير الفهم الذكيّ به يصير قلبه حيّا عالما عارفا يلبس رداء الحياة و يستيقظ من نوم النسيان و سهو الغفلات و يتخلّص من سكرة الموت بأسقام الجهالات و يهتدي إلى وجوه المصالح