شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٦٨ - «الشرح»
..........
قدوة المتردّدين و إمام المتكبّرين [١]
(من البحر الاجاج ظلمانيّا)
(١) ماء أجاج أي ملح مرّ و «ظلمانيّا» حال عن الجهل أو عن البحر الاجاج و المراد به الغضب [٢] الالهى لأنّه مرّ كريه الطعم و الرّائحة على مذاق الشاربين و مشام العارفين أو المراد به مجموع الصفات النفسانيّة الّتي بعضها حسن و بعضها قبيح لتخمير النفس بها و هذا المجموع من حيث هو بمنزله ما، كدر مرّ ممتزج بغبار الملكات الدّنيّة و مرارة الصفات الشنيعة و ملوحة قبائح الآثار و خشونة فضائح الأطوار و عبّر عنه بالبحر للدلالة على تراكم تلك الصفات و كثرتها و وصفه بالظلمة لسترها أنوار العقول حائلا بينها و بين بصيرتها، أو المراد به المواد البدنيّة الهيولانيّة الّتي هي محض الاستعداد و علّة قابليّة لتعلّق النفس بها و تشخّصها و عبّر عنها بالبحر الظلمانى لتراكم مياه الشرور و الصفات المتغايرة المتضادّة فيها و نسبتها إليها كنسبة البحر إلى الأمواج
(فقال له: أدبر فأدبر)
(٢) أمره بالهبوط من عالم الملكوت و النور إلى عالم الظلمات و الشرور و التوجّه إلى ما يلائمه من المشتهيات و النظر إلى ما فيه هواه من المستلذّات فهبط لما في ذلك من مصلحة و هى ابتلاء العباد و نظام البلاد و عمارة الأرض إذ لو لا ذلك لكان النّاس بمنزلة الملائكة عارين عن حلية التناكح و التناسل و الزراعة و تعمير الأرض و بطل الغرض المطلوب من هذا النوع من الخلق و بطل خلافة الأرض، و لزم من ذلك بطلان الثواب و العقاب و عدم انكشاف صفات الباري و انجلاء حقائقها و آثارها مثل العدالة و الانتقام و الجبّاريّة و القهاريّة و العفو و الغفران و غيرها
(ثمّ قال له: أقبل فلم يقبل)
(٣) أمره بعد الادبار بالاقبال إليه تعالى و الرّجوع إلى ما لديه من المقامات العليّة و الكرامات الرفيعة الّتي لا يتيسّر الوصول إليها إلّا بالانتقال من طور أخسّ إلى طور أشرف
[١] و لعله لا يريد ان الشيطان بعينه هو النفوس الراسخة في الضلالة و الشرور بل يريد انها مثله في صفاته الخبيثة. (ش)
[٢] لا مناص عن الاستعارة و التمثيل في هذه العبارات و كلما كان العالم ظاهريا حاملا للالفاظ على المعانى الجسمانية لم يمكنه في هذا الحديث كما لا يمكن في مثل يد اللّه و عين اللّه. (ش)