شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٨٨ - «الشرح»
..........
عليه أو مثل حال الطفل مع أمّه في الرّكون إليها، أو مثل حال الشمعة مع المصور في أنّها مقهورة تحت يده و قدرته يصوّرها و يشكّلها كيف يشاء و هذه الحالة هي المسمّاة بالتوكّل و هي مقام عال من مقامات السالكين و درجة عظيمة من درجات المقرّبين و منزلة رفيعة من منازل المتّقين لا يصل إليها إلّا من اطمأنّ قلبه بالإيمان باللّه القاهر فوق عباده، ثمّ إنّ هذه الحالة تتفاوت كمالا و نقصانا بحسب تفاوت العلوم المذكورة و صفاء القلب و نورانيّته فلها أقسام: أوّلها الثقة باللّه و بكفالته و كفايته و عنايته مع ملاحظة أن العادة جرت على ربط المسبّبات بأسبابها فيتمسّك بالأسباب على قدر الحاجة و الأثر المترتّب عليه هو الاعتقاد بأنّ حصول المطلوب و سببه من توفيق اللّه تعالى و عنايته فيكتسب و يغلق الباب من السارق و يتحصّن من العدوّ مثلا و يثق بأنّ الرّزق و الحفظ منه تعالى، و لا يتّكل على السبب و إنّما اتّخذ جريا على العادة و هو راض عن ربّه و شاكر له إن لم يحصل المسبّب، بناء على أنّه لا يدري في أيّ شيء الخيرة و حافظ مع اشتغاله بالسبب لأوقات الصّلوات و غيرها من العبادات و بالجملة يكون مقصوده هو الكفيل الحقّ و خيرته و منظوره هو التشبّث بذيل عنايته و إرادته، و الاكتساب على هذا الوجه لا ينافي التوكّل لأنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان رأس المتوكّلين و قد توارى من العدوّ و خندق على نفسه و ظاهر بين درعين و ادّخر قوت عياله سنّة، و لتواتر الروايات عن الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) على هذا المعنى و لقوله تعالى: «رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ» و لذا قيل:
من طعن في الكسب طعن في السنّة و من طعن في تركه طعن في التوحيد، و الكسب الغير المنافي ما كان على قدر الحاجة، و حدّه بعض للمنفرد بدون الأربعين، و اختلف في ادّخار قوت الأربعين فقيل: يخرج عن التوكّل، و قيل: لا يخرج بما زاد على الأربعين و هذا كلّه ما لم يتشوّش خاطره فإن تشوّش فالادّخار في حقّه أفضل، بل قيل:
لو حبس ضيعة يكفيه دخلها كان أرجح لأنّ المقصود تفريغ القلب للعبادة حدّه للمعيل بقوت عام تطمينا لقلبه و قلب عياله لفعل النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) ذلك و لم يفعله لطيب