شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٥٢ - «الشرح»
..........
فكأنّه فقد عنهم تلك الآلات، و يمكن حمل الكلام على الحقيقة و ذلك لأنّه كما يكون للإنسان مؤمنا كان أو كافرا سمع ظاهريّ به يدرك المسموعات و نطق ظاهريّ به يتكلّم بالكلمات و بصر ظاهريّ به يدرك المبصرات كذلك يكون للمؤمن قوّة باطنيّة بها يفرق بين الحقّ و الباطل و هي من حيث أنّها الحاكمة في المسموعات فارقة بين صحيحها و سقيمها تسمّى سمعا عقليّا و من حيث أنّها فارقة بين الأقوال الصادقة و الكاذبة تسمّى نطقا عقليّا، و من حيث أنّها فارقة بين المبصرات تسمّى بصرا عقليّا، و قد يطلق البصيرة على قوّة بها تدرك النفس صور الحقائق الكلّيّة بلا آلة و أمّا الّذين كفروا، و اتّبعوا أقوال آبائهم، و تركوا ما سمعوه من كلام داعي الحقّ و لم ينظروا فيما شاهدوه من الدّلائل فهم فاقدون لتلك القوّة العقليّة فهم صمّ بكم عمي حقيقة حيث لم يكن لهم سمع و نطق و بصيرة عقليّة أصلا، و نسبة العمى إلى القلب أولى من نسبته إلى العين كما يشعر به قوله تعالى «لٰا تَعْمَى الْأَبْصٰارُ وَ لٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ»
(فَهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ)
(١) أي لا يعقلون فرقا بين الحقّ و الباطل و لا يتفكّرون فيما أنزل اللّه و لا ينظرون إليه بعيون عقولهم ليعلموا أنّه الحقّ من ربّهم.
(و قال: وَ مِنْهُمْ)
(٢) أي و من المكذّبين الّذين سارعوا إلى تكذيب القرآن و ما اشتمل عليه من الحشر و النشر و الثواب و العقاب، و سائر ما يخالف دينهم و دين آبائهم قبل أن يقفوا على معانيه و ينظروا إلى مبانيه حتّى يتبيّن لهم أنّه صدق
(مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ)
(٣) إذا قرأت القرآن و علّمت الشرائع و لكن لا يقبلون كالأصم الّذي لا يسمع أصلا لغلبة الشقاوة عليهم و إحاطة الغواية بهم بسبب التقليد و الألف بالباطل و معارضة الوهم
(أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كٰانُوا لٰا يَعْقِلُونَ)
(٤) أي أ فأنت تقدر على إسماعهم و لو انضمّ إلى صممهم عدم تعقّلهم شيئا من الحقّ لقساوة قلوبهم و جمود طبائعهم و خمود أذهانهم حتّى صاروا بمنزلة البهائم، فيه تنبيه على أنّ الإعراض عن نصح أمثالهم أولى لأنّ من شرائط النصيحة أن يكون للمنصوح قوّة سامعة و بصيرة قلبية فاذا انتفت إحداهما أو كلاهما فالاعراض عنها حريّ و لذلك