شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٧٠ - «الشرح»
..........
الحزن كناية عن الكلوح و العبوس، و الثاني- و هو الأظهر- أنّ العاقل لكونه عارفا بالمعارف الالهيّة و عالما بالحكم الربّانيّة و مستشرقا لأنوار الحقّ تابعا لهداه و مقبلا على عبادة ربّه معرضا عمّا سواه، مسرور مبتهج فرح أبدا في الدّنيا و الآخرة بما آتاه اللّه من الفضيلتين العلميّة و العمليّة إذ لا لذّة أعظم منهما و لو نظر إلى ما يوجب الشرور في دار الغرور و التفت التفاتا ما إلى خسائس هذه الامور بسبب شيطان قاده إليها أو ميل نفس حرّضه عليها أخذت بضبعيه الأنوار العقليّة [١] و توقظه من رقدة الغفلة في المراقد الطبيعيّة، و جذبته العناية الالهيّة من ورطة الهلكة الأبديّة و أيّدته على إبليس و جنوده فيجتهد في مقاومته و يتخلّص من مصائده و يترصّد لدفع حيله و يثبت في رفع مكايده، فيحصل بذلك ابتهاج و سرور أيضا لغلبته على عدوّه، و أمّا الجاهل الفاقد لهاتين الفضيلتين و المقهور في أسر ذلك العدوّ فهو حزين في الدّارين إذ لا ألم أعظم من ذلك في الدّنيا و الآخرة أمّا في الآخرة فظاهر لانّ الآلام الاخرويّة الّتي توجب الهمّ و الغمّ و الحزن عند مشاهدة السّلاسل و الأغلال و معاينة الشدائد و الأهوال، ظاهرة غير محتاجة إلى البيان. و أمّا في الدّنيا فلأنّ الاعراض عنه سبحانه و الاشتغال بما سواه كما هو وصف الجاهل ألم نفسانيّ و مرض روحانيّ يوجب همّا و غمّا و حزنا في نفس الأمر و لا يقدح فيه غفلته و توهّمه أنّ ذلك أنفع له كما أنّ السمّ [الم] مهلك و إن توهّم شاربه أنّه انفع له على أنّه قد يصدق على مقتضى عقله الفطريّ بأنّ الأولى به و الأنفع له هو متاع الآخرة سيّما عند معاينة الموت فيحصل له ألم شديد و حزن طويل و لكن لا ينفعه ذلك ما بقي على حاله كما أنّ الخائن المعذّب بسبب الخيانة يصدق بأنّه كان الأولى به ترك الخيانة و يحزن و يتأسّف و لا ينفعه ذلك.
(و الالفة و ضدّها الفرقة)
(١) الألفة توافق الآراء و العقائد في تدبير المعاش و المعاد و هي فضيلة مندرجة تحت العدالة الّتي هي الاستقامة في القوى الفكريّة و
[١] الانوار العقلية هم الملائكة الموكلون بتسديد عباد اللّه و هدايتهم الى التقوى و الاخذ بالضبعين كناية عن هذا التسديد و التأييد و الضبع تحت العضد (ش).