شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١١٦ - «الشرح»
..........
و فيه دلالة على أنّ السحاب تحمل الماء من بحار الارض و يتصاعد بأمر اللّه تعالى و يمطر في كلّ مكان تعلق به إرادته و مشيئته و يدلّ عليه أيضا ظاهر ما نقله العامّة و الخاصّة كما صرّح به الشيخ في مفتاح الفلاح من أنّ المأمون خرج يوما من بغداد فأرسل صقره فارتفع في الهواء و لم يسقط على الأرض حتّى رجع و في منقاره سمكة فتعجّب المأمون من ذلك فلمّا رجع إلى بغداد رأى في بعض طريقة محمّد بن علي بن موسى الرضا (عليهم السلام) و له في ذلك الوقت إحدى عشرة سنة و قيل عشرة فتقدم إليه المأمون و هو ضامّ كفّه على السمكة و قال له قل أيّ شيء في يدي فقال (عليه السلام): إنّ الغيم حين يأخذ من ماء البحر يداخله سمك صغار فتسقط منه فيصيدها صقور الملك فيمتحنون بها سلالة النّبوّة، فأدهش ذلك المأمون فنزل عن فرسه و قبّل رأسه و تذلّل له ثمّ زوّجه ابنته [١] و الظاهر أنّ جميع ذلك حقّ لأنّ الشيء الواحد قد يكون له أسباب متعدّدة و في جميع ذلك دلالة على الحكيم القدير المدبّر للاشياء على أحسن ما ينبغي.
فان قال قائل: إنّما ينزل المطر من السحاب بطبعه لأنّه ثقيل فأي دلالة فيه على ما ذكرتم؟ قلنا: أولا هذا الطبع له ليس من قبل نفسه بالضرورة فمن أعطاه إيّاه دون غيره من الأجسام الخفيفة مع اشتراكهما في الجسميّة؟ و من أسكنه في جوّ السماء، و كبد السحاب بحيث ينزل تارة دون اخرى مع اقتضاء طبعه نزوله و عدم استقراره؟ و من ساقه من جوّ إلى جوّ مع اقتضاء طبعه الحركة إلى المركز؟ و ثانيا أنّه إذا نزل بطبعه لثقله فلم يتصاعد إلى أعالى الشجر و الأوراق و النباتات من المسامات الضيّقة و العروق الدّقيقة ليصل منافعه إلى كلّ جزء من أجزائها؟ و لو قال: صعوده لجذب قواها الجاذبة إيّاه، قلنا له: من أعطاها تلك القوى الّتي تقسره إلى الصعود المخالف لمقتضى طبعه فيرجع الكلام بالاخرة إلى وجود واجب الوجود الّذي بأمره و تدبيره يتحرّك الماء فيما بين الأرض و السماء، من شرق إلى غرب و من غرب إلى شرق، و من شمال إلى جنوب و من
[١] مطالب السئول ص ٨٧، كشف الغمة ص ٢٨٢.