شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٨٥ - «الشرح»
..........
في القلب أمّا على الأوّل فلأنّ مشرب القلب على ذلك التقدير ضيق جدّا فلا يرد فيه من لطائف المعاني إلّا واحد بعد واحد فإذن دخول الغير من طرق الحواسّ يمنع ورودها فيه قطعا، و أمّا على الثاني فلأنّ القلب لغاية صفائه و نهاية ضيائه يتأثّر سريعا من أنفاس تلك الأغيار و أكدارها فلا ينطبع فيه صور هذه المطالب و من جملة الحواس اللّسان و هو أعظمها فإنّه يتناول كلّ موجود و معدوم و معلوم و موهوم و يتعرّض له بنفي و إثبات و هذه الحالة لا توجد في غيره فانّ اليد لا تصل إلى غير الأجسام و الاذن لا تصل إلى غير الأصوات و كذا القياس في البواقي فلذلك خصّ الصّمت بالذكر تنبيها على اعتبار حال سائر الحواسّ أيضا فإذن الصمت ممّا يتوقّف عليه التفكّر و هو دليله في انتقاله من القوّة إلى الفعل.
(و لكلّ شيء مطيّة و مطيّة العقل التواضع)
(١) المطيّة الدّابّة الّتي تمطو في سيرها أي تجدّ و تسرع و الجمع المطايا و المطي و الامطاء، و في النهاية هي الناقة الّتي يركب مطاها. أي ظهرها يعني لكلّ شيء في انتقاله من العدم إلى الوجود أو من القوّة إلى الفعل أو من حالة أنقص و أدنى إلى حالة أرفع و أعلى سبب هو كالمطيّة له و سبب انتقال العقل من القوّة الذّاتيّة الفطريّة إلى العقل بالفعل و من عالم الغواشي الجسمانيّة إلى عالم المجردات [١] هو التواضع للّه سبحانه و التذلّل له عند الوقوف على معارفه و العكوف على نواهيه و أوامره فمن ورد في مكان المعارف و الأحكام و لم يتواضع له تعالى فقد فقد مطيّته للحركة إليه و النزول بين يديه فيبقي تائها متحيّرا في ذلك المكان أو يرجع مدبرا بتطاول الأعادي و إغواء الشيطان. و قيل تحقيق هذا الكلام أنّ لكلّ شيء طبيعة متوجّهة إلى غايتها و له مادّة حاملة لقوّتها و استعدادها نحو كمال هي بمنزلة الراحلة [٢] له و مادّة
[١] اشار الى ما حققه الحكماء من أن لنفس الانسان اربع مراتب من العقل الهيولانى الى العقل بالفعل و من التجسم الى التجرد و ان النفس فى هذه المرتبة مجردة (ش).
[٢] الممكن قسمان أحدهما ما يتغير عن حاله و يطلب كمالا آخر كالبذر يصير نباتا، و الثانى ما لا يتغير و جميع ما يمكن له من الكمال حاصل من اوّل خلقته و القسم الاول يحتاج الى مادة بها يستعد لقبول الكمال كما ثبت فى الحكمة و الانسان قابل للكمال فله مادة و مادته النفس الهيولانية و هى جسمانية اذا المراد به النفس المنطبعة لا النفس المجردة و النفس المنطبعة عقل بالقوة لا بالفعل. (ش)