شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١١٣ - «الشرح»
..........
الرياح، و عدم رسوبه فيه و تقوية القلوب على ركوبه، و جعل البحر متوسطا بين الكثيف و اللّطيف القابل لجريانه من لطائف الصنع و حسن التدبير في مصالح الناس و معاشهم ما لا يخفى على ذوي البصائر الثاقبة، و من جملتها أنّه لو لا هذا المركوب لعطّلت التجارات الّتي تجلب من البلاد البعيدة مثل ما يجلب من الصين إلى العراق و من العراق إلى الصّين و بقيت الأمتعة في بلدانها في أيدي صاحبها لأن أجر حملها على ظهور الدّوابّ كان يجاوز أثمانها فلا يتعرض أحد لحملها على أنّ بعض المسافات كالبحر مما لا يمكن قطعه بالدوابّ، فتفقد أشياء كثيرة تعظم الحاجة إليها فينقطع المعاش و يتضيّق طرقه على النّاس، فلأجل هذه الحكمة جعل الفلك بحيث يحمل ما لا يحصى من الحمولة و الأفراس و الأفيال و هي تجرى بعنايته في موج كالجبال و جعل الرّيح سائقها و محرّكها و لو لا الرّيح لركدت كما قال سبحانه «وَ مِنْ آيٰاتِهِ الْجَوٰارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلٰامِ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوٰاكِدَ عَلىٰ ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِكُلِّ صَبّٰارٍ شَكُورٍ» و من حملتها أنّه لو جعل البحر لطيفا محضا مثل الهواء لما استقرّ الفلك على ظهره بل غاص فيه، و لو جعله كثيفا محضا مثل الأرض لما أمكن من قطعه و شقّه فجعل متوسطا بينهما لتكميل مصالحهم، قال القاضي: القصد من هذه الآية إلى الاستدلال بالبحر و أحواله و تخصيص الفلك لأنّه سبب الخوض فيه و الاطلاع على عجائبه و لذلك قدّمه على ذكر المطر و السحاب لأنّ منشأهما البحر في غالب الأمر، و قيل: الحكمة في عدم رسوب السفينة إلى الماء و إن كان بعض أجزائه أو كلّها أثقل منه كالحديد هي أنّ الأجسام المتداخلة بعضها في بعض بمنزلة جسم واحد و المعتبر في الرسوب في الماء و عدمه ثقل المجموع بالقياس إليه و عدمه و لذلك لو كثرت الحمولة و قل الهواء الدّاخل بحيث يكون المجموع أثقل من الماء لرسب فيه و غرق أهلها، و الضابطة فيه أنّه إذا فرض مع الماء جسم آخر فان كان نسبة حجمه إلى حجم الماء كنسبة ثقله إلى ثقل الماء فلا يرسب فيه أصلا بل يكون سطحه العالي مساويا لسطح الماء في العلوّ و السفل و إن كانت نسبة حجمه إلى حجم الماء أقلّ