شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٤٥ - «الشرح»
..........
بالشهوات و القوى الدّاعية إلى اللّذات و كانت أهواؤهم لذلك مختلفة و آراؤهم متباعدة و قلوبهم متفرّقة كانت استقامة نظام أحوالهم في امر معاشهم و معادهم محوجة إلى سلطان قاهر و حاكم زاجر تأتلف برهبته النفوس و الأهواء و تجتمع بهيبته القلوب و الآراء و تنكف بسطوته الأيدي العادية إذ في طباعهم من حبّ الغلبة على ما آثروه و القهر لمن عاندوه ما لا ينكفّون عنه إلّا بمانع قويّ و رادع ملي و زاجر جلي و قد أفصح المتنبّى عنه حيث قال:
لا يسلم الشرف الرّفيع من الأذى * * * حتّى يراق على جوانبه الدّم
و الظلم من شيم النّفوس فإن تكن * * * ذا عفّة فلعلّة لا يظلم
و العلّة المانعة من الظلم عند الاستقراء ترجع إلى امور أربعة إمّا عقل زاجر أو دين حاجز، أو عجز مانع، أو سلطان رادع، و السلطان القاهر أبلغها نفعا و أعظمها ردعا لأنّ العقل و الدّين ربّما كانا مغلوبين بدواعى الهوى و العجز قد ينتفى كما هو المشاهد في الأكثر فيكون رهبة السلطان أقوى ردعا و أعمّ نفعا، ثمّ السلطان الجائر و إن كان دافعا للفتنة من بعض الجوانب لكنّه جالب لها من جوانب اخر فلا خير فيه من جهة ما هو جائر فلا بدّ من أن يكون السلطان عادلا ليكون دافعا للفتنة بالكليّة مانعا من وقوع الهرج و المرج و الذّلّ و الخسران في الخلق و لكن دفعه لها منوط بطاعتهم و متابعتهم له فوجب عليهم الوفاء بذمامه و الاستماع إلى كلامه، و الاتّباع لأفعاله و أعماله، و اللّزوم للالفة و التحاضّ عليها و التواصى بها، و الاجتناب عن الفرقة و غيرها مما يكسّر فقرتهم و يوهن قوّتهم من تضاغن القلوب و تشاحن الصدور و تدابر النقوس و تخاذل الأيدي ليحصل له قوّة لدفع كيد المعاندين و شرّ الظالمين و مكر الحاسدين و طعن الملحدين عن حوزة المسلمين و عرض المؤمنين، فتحصل لهم العافية و تكمل لهم النعمة و تجرى عليهم العزّة و الكرامة، و يكونون حينئذ أنصارا معزّزين و أربابا في الأرضين ملوكا على رقاب العالمين، و لو تركوا طاعته و اختاروا فرقته و جانبوا الفتنة و هدّموا كلمته و كسروا شوكته و تشعّبوا مختلفين و تفرّقوا متحاربين