شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٠٢ - «الشرح»
..........
و الأوّل من أعوان العقل و جنوده، و الثاني من أعوان الجهل و جنوده فاذا وقع المطاردة بينهما في ساحة القلوب و ميدان الأبدان و استظهر الجهل بالجرأة استظهر العقل بالخوف فيغلبه و يهزمه باذن اللّه تعالى ألا إن حِزْبَ اللّٰهِ هُمُ الْغٰالِبُونَ. لا يقال: المعروف في مقابل الرّهبة اعني الخوف هو الرّجاء دون الجرأة لأنّ الرّجاء ليس ضدّا حقيقيّا للخوف و لا الخوف ضدّا حقيقيّا للرّجاء لأنّهما قد يجتمعان في قلب المؤمن بل افتراق أحدهما عن الآخر مذموم و اجتماعهما ممدوح كما يدلّ عليه قوله تعالى في وصف العابدين «وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً» و إنّما الضدّ الحقيقي للرهبة هو الجرأة و الضدّ الحقيقي للرّجاء هو القنوط كما مرّ لعدم إمكان اجتماعهما في قلب واحد.
(و التواضع و ضدّه الكبر)
(١) من أعاظم جنود العقل و مكارم الأخلاق الانسانيّة و محاسن الأوصاف النفسانيّة الّتي يرتقي بها الانسان إلى أعلى مدارج القرب و الكمال و يصعد إلى أقصى معارج العزّ و الجلال التواضع للّه و لعباده المؤمنين كما أنّ من أفاخم جنود الجهل و مساوي الأخلاق و مذامّ الأوصاف الّتي يبعد بها الانسان عن قرب ربّ العالمين و لا ينتهى قهقراه إلّا إلى أسفل السّافلين التكبّر على اللّه و على عباده المسلمين و لكلّ واحد من المتواضع و المتكبّر و تعزّز و تذلّل و التعزّز للمتواضع من عند اللّه تعالى و التذلّل من عند نفسه، و للمتكبّر بالعكس.
و لا بدّ هنا من التكلّم أوّلا في حقيقتهما و ثانيا فيما هو سبب لحصول تلك الحقيقة، و ثالثا فيما يلزمها و رابعا في المدائح و المذامّ الواردة فيهما أمّا حقيقة التواضع فهي هيئة نفسانيّة تحصل من تصوّر الإنسان نفسه أذلّ من غيره و أخسّ رتبة منه، ثمّ الاذعان به إذعانا جازما لا يشوبه شيء من الشكوك و الأوهام، و أمّا أسبابه فهي معرفة عظمة اللّه و جلاله و كبريائه و قهره و غلبته على جميع الممكنات و معرفة نفسه و شدّة احتياجه و كمال افتقاره إليه في جميع الأحوال و يكفي في حصول تلك المعرفة التأمّل في قوله تعالى: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ مِنْ سُلٰالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنٰاهُ نُطْفَةً فِي قَرٰارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا