شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٠٤ - «الشرح»
..........
كلّ موجود عداه بلا مشقّة و لا حركة و لا آلة فاذن علم أنّ المستحقّ للعظمة و الكبرياء ليس إلّا هو و هذا معنى التواضع و حقيقته و أمّا لوازمها فهي كثيرة جدّا لأنّ تلك الحقيقة إذ انبعث من القلب و جرى في جداول الأعضاء و الجوارح رشحاتها تنبت منها أنواع أشجار الفضائل منها العبادات القلبيّة و البدنيّة كالذّكر و الصوم و الصّلاة و نحوها و منها مجالسة الفقراء و محبّتهم و مؤاكلتهم و تقديمهم في الطرق و المجالس و منها لين القول و حسن المعاشرة و الرّفق بذوي الحاجات، و منها الشكر عند حدوث النعمة و دفع النقمة، و منها الابتداء، بالسّلام و ترك المراء.
و أمّا المدائح الواردة فيه فهي كثيرة في القرآن و السنة كقوله تعالى لسيد المرسلين و أشرف الأوّلين و الآخرين: «وَ اخْفِضْ جَنٰاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» و قوله تعالى: «تِلْكَ الدّٰارُ الْآخِرَةُ. نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لٰا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لٰا فَسٰاداً وَ الْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» و قول النّبي (صلى اللّه عليه و آله): «إنّ التواضع يزيد صاحبه رفعه فتواضعوا يرفعكم اللّه [١]» و أمّا حقيقة الكبر فهي هيئة نفسانيّة تنشأ من تصوّر الانسان نفسه أكمل من غيره و أعلى رتبة منه، و تلك الهيئة تعود إلى ما يحصل للنفس من ذلك تصوّر، من النفخ و الهزّة و التعزّز و التعظّم و الرّكون إلى ما يتصوّره من كمالها و شرفها على الغير و لذلك قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) «أعوذ بك من نفخة الكبر [٢]» و هي رذيلة تحت الفجور تقابل التواضع و إن تصوّر الانسان فضيلته على الغير مع قطع النظر عن قياس نفسه إلى متكبّر عليه و عن إضافة تلك الفضيلة إلى اللّه تعالى باعتبار أنّها منه و لم يكن خائفا من زوالها بل كان
[١] الكافى كتاب الايمان و الكفر باب التواضع تحت رقم ١.
[٢] ما عثرت على اصل له الاعلى ما اخرجه ابن ماجه في كتاب (اقامة الصلاة باب الاستعاذة في الصلاة) رقم ٨٠٧ في حديث: «اللهم انى اعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه و نفخه و نفثه» و قال عمرو: همزه الموتة، و نفثه الشعر، و نفخه الكبر، انتهى، و الموتة نوع من الجنون و الصرع يعترى الانسان، فاذا أفاق عاد إليه كمال العقل كالسكران.