شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٤١٠ - «الشرح»
..........
الفانية و أنّ الغرض من كونه فيها تكميل النفس بالقوّة النظريّة و العمليّة و تحريكها من المنازل السفليّة الظلمانيّة إلى أقصى المعارج الملكوتيّة النورانيّة و اكتسابها للقربات و اجتنابها عن المنهيات ليستأهل النزول في بساط الحقّ و القعود عليه و فيه إشارة إجمالية إلى معرفة مقامات النفس و مراتب درجاتها
(و من أين يأتيه)
(١) أين سؤال عن المكان يعنى يعرف من أيّ عالم يأتي هذا العالم الداثر الّذي فيه اليوم و يعرف ما بينهما من التفاوت فانّ الأوّل عالم روحانيّ و مكان نوراني [١] و الثاني عالم جسمانيّ و مكان ظلماني حبس فيه الرّوح ما شاء اللّه ليتذكّر قدر تلك النعمة و يسلك منهج النجاة و يعترف بالعجز و الافتقار و يقرّ لربّه بالقهر و الغلبة. و فيه إشارة إلى علمه بأحوال مبدئه و منازل انتقالاته في النشأة الكونيّة الّتي يتحيّر فيها عقول العقلاء و فحول العلماء و قد أشار جلّ شأنه إلى هذه المراتب بقوله: «مٰا لَكُمْ لٰا تَرْجُونَ لِلّٰهِ وَقٰاراً وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوٰاراً» و من تأمّل فيه اضطرّ إلى معرفة خالقه و الانقياد له و إلى علمه بأنّ الغرض من اجرائه من جداول أصلاب الآباء و أرحام الامّهات عهدا بعيدا إلى أن جرى على وجه الأرض أن يحصل منه زرع صالح و نبات حسن و هى الأعمال الّتي يوجب أجرا جميلا و ثوابا جزيلا بعد العود
(و إلى ما هو صائر)
(٢) يعنى يعرف أنّه بعد استقراره في الدنيا في أجل معدود و زمان محدود يصير إلى مقام آخر فيه «تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً» و فيه إشارة إلى علمه بأحوال المعاد و منازله و عقباته من القبر و البرزخ و الحشر و النشر و الميزان و الصراط و الحساب و العرض و الجنّة و النار
(و ذلك كلّه من تأييد العقل)
(٣) يعني ذلك المذكور من قوله: الفطنة و الفهم و الحفظ و العلم إلى آخر ما ذكر من تأييد العقل و تقويته بالنور المذكور إذ الانسان بذلك النور يخرج من حدّ النقص و القصور و يهتدي إلى الامور المذكورة و ينظر في ظلمة الطبيعة
[١] مبناه على مذهب صدر المتألهين- (قدس سره)- ان النفس روحانية البقاء و جسمانية الحدوث. (ش)