شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٣٥ - «الشرح»
..........
و أرفع مكانا و أعلى شأنا و وجيها في الدّنيا و الآخرة، و من المقرّبين الّذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون، و أمّا الاخير فلأنّ الناس في هذه النشأة بمنزلة أهل السّباق و الرّهان يتسابقون لأغراض مطلوبة و غايات مقصودة و أعظمهم قدرا عند اللّه تعالى من شرق عقله و كمل علمه فصار بحيث لا يرى الدّنيا و زهراتها الغائلة [١] و لذّاتها الزّائلة و مقتنياتها الباطلة خطرا و سبقا لنفسه أصلا بل غرضه من السباق و غايته من الاستباق هو الفلاح بالسعادات الاخرويّة و الفوز بالمكاشفات الرّبوبيّة و الدّخول في زمرة الأبرار و في جنات تجري من تحتها الأنهار، و بالجملة ترك الدّنيا دلّ على كمال العقل و العلم، و ظاهر أنّ العالم الكامل العقل أعظم قدرا عند اللّه تعالى من غيره
(أما إنّ أبدانكم ليس لها ثمن إلّا الجنّة)
(١) فيه تنبيه للغافلين و إيقاظ لهم عن نوم غفلتهم و ترغيب للسالكين في الزّهادة عن الدّنيا و تحريص للعاملين على تحمّل المشقّة و الفناء بتوقّع رفع المنزلة و عظيم الجزاء بنوع من التشبيه و التمثيل، و تلميح إلى قوله تعالى «إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ أي استبدل من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأنّ لهم الجنّة حياتها السرمديّة بالأنفس و نعيمها الأبديّة بالأموال فالمشتري هو اللّه تعالى، و البائع هو النفوس البشريّة، و المبيع هو الأبدان، و الثمن هو الجنّة العالية، الباقية، و الدّنيا أو ان التسليم، فارتضوا بهذا البيع و استبشروا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بٰايَعْتُمْ بِهِ و سلّموا المبيع إلى المشتري لتستفيدوا الرّبح العظيم فإنّ البائع إذا قصر في تسليم المبيع حتّى هلك انفسخ البيع و بطل الرّبح، قيل: و في جعل الجنّة ثمن الأبدان إشارة إلى أنّ ثمن النفوس المجرّدة هو اللّه تعالى فكأنّه (عليه السلام) قال: أما أنّ أبدانكم ثمنها الجنّة فلا تبيعوها بغيرها و أمّا نفوسكم المجردة و أرواحكم القدسيّة فإنّما ثمنها هو اللّه سبحانه و الفناء المطلق فيه [٢] و في مشاهدة الوجه الكريم فلا تبيعوها
[١] فى بعض النسخ [زهراتها الفانية].
[٢] الفناء شيء لا يعرفه الا الراسخون في العلم فمن تفوه به و لا يعرف معناه خيف عليه الضلال و لا يعترف احد بعدم المعرفة و اما من عرف معنى الفناء فهو غاية مقصود العارفين ففى الحديث «يتقرب العبد الى بالنوافل حتى احبه فاذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به و بصره الّذي يبصر به و لسانه الّذي ينطق به و يده التى يبطش بها» نقلناه من كتاب عين الحياة للمجلسى عليه الرحمة مترجما ثم بعد نقله هذا الحديث تكلف لتأويل الفناء بما يوافق مذاقه و أطال الكلام فيه جدا و يمكن تلخيص كلامه في جملتين الاولى ان المراد كنت مسموعه و مبصره فقال السمع و اراد المسموع، الثانية ان اللّه تعالى يده التى يطبش اى يفعل الشيء في زمان يريد العبد فعل ذلك الشيء و لا يسع المقام البحث في ذلك و لعل اللّه يوفقنا فى مكان أليق، و اما على اصول الشارح فلا يحتاج الى التأويل لان وجود الممكنات بالنسبة الى وجود الواجب كالفيء من الشيء وجود تعلقى صرف فاذا وصل العارف الى ادراك ذلك بالوجدان لا بالقول فقط فقد وجد فناءه (ش).