شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٦٣ - «الشرح»
..........
و بقوله «إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ السَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً» و لكن النفس بالذّات لما كانت مائلة إلى اللّذّات آنسة بالمحسوسات، و اللّذات الفانية الدّنيويّة لذات حاضرة محسوسة ظاهرة و اللّذات الاخروية لذات غائبة عقليّة مخفيّة صارت النفوس كلّها مائلة إلى الدّنيا و زخارفها باغواء الشياطين و غلبة الشقاوة و الهوى عليها حتّى خرجوا عن الدّين، و اندرجوا في سلك الشياطين، و اتّصفوا بالخسران المبين، أو خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا، و صاروا من المذنبين إلّا من عصمه اللّه و أخذت بيده العناية الأزليّة و نوّر قلبه بنور الحكمة و الايمان و أفاض عليه مياه الكرامة و الاحسان و طهّر ظاهره بالأعمال الصّالحة و حلّى باطنه بالأخلاق الفاضلة و هذا القليل الوجود جدّا كما أشار إليه مولانا الصادق (عليه السلام) بقوله: «المؤمنة أعزّ من المؤمن و المؤمن أعزّ من الكبريت الأحمر، فمن رأى منكم الكبريت الأحمر» [١].
(قال: وَ قٰالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ)
(١) من أقاربه، قيل: هوا بن عمّه، و قيل: كان قبطيا من قومه، و قيل: كان من بني إسرائيل و يرجّح الأوّل لفظ الآل لأنّه يطلق على القريب كما قال سبحانه: «إِلّٰا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنٰاهُمْ بِسَحَرٍ» و هو صفة ثانية لرجل، و قيل: هو متعلق بقوله
(يَكْتُمُ إِيمٰانَهُ)
(٢) هذا صفة ثالثة على ما قلنا، و صفة ثانية على ما قيل، و هذا القول بعيد لأنّه يلزم الفصل بين الصّفة و الموصوف بأجنبى، اللّهمّ إلّا أن يجعل «يَكْتُمُ إِيمٰانَهُ» حالا و هو بعيد جدّا.
و لأنّه لو كان كذلك لكانت تأخيره أولى إذ لا وجه لتقديمه إلّا الحصر و هو غير مناسب للمقام و لأنّ كتمان الايمان دلّ على ثبوت الايمان مثل مؤمن، فكان الأنسب أن يذكر بعده بلا فصل، فان قلت: فعلى هذا لو كان صفة كان الأنسب أيضا تأخيره عن الصفة الثالثة، قلت: نعم و لكن في تأخيره إخلال بيان المعنى المقصود لأنّه يتوهّم حينئذ أنه من صلة «يكتم» فلم يفهم أنّ ذلك الرّجل كان من آل فرعون فقدم لدفع هذا التوهّم على أنّ تقديمه أهمّ لأنّ إيمانه مع كونه من آل
[١] رواه الكلينى في كتاب الايمان و الكفر باب قلة عدد المؤمنين تحت رقم ١.