شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٣٥ - «الشرح»
..........
المعينين يناسب ما اشتهر من أنّ المعرفة إدراك شيء ثانيا بعد الغفلة عن إدراكه أوّلا و ذلك أنّ اللّه سبحانه أخذ الميثاق على عباده بأنّه ربّهم و محمّدا (صلى اللّه عليه و آله) عبده و رسوله و عليّا (عليه السلام) أمير المؤمنين و أوصياءه من بعده ولاة أمره و خزّان علمه ثمّ نسوا بعد رقودهم في مراقد أصلاب الآباء و مهاد أرحام الامّهات و انغمارهم في بحار العوائق الجسميّة و استتارهم بحجب العلائق البشريّة تلك المواثيق القديمة و العهود الوكيدة فمن أيقظته صحيحة المواعظ الإلهيّة عن نوم الغفلة و جذبته أيدي الهداية الرّبانيّة عن تيه الظلمة و تنوّر قلبه بنور الهداية و الارشاد و استشرق ذهنه بضوء الاطاعة و الانقياد توجّه إلى مولاه و مقتداه بعد النسيان و حصل له بعد الغفلة فضيلة المعرفة و شرف الترقي إلى مقام أهل العرفان و من غرق في بحار الشهوات و نام في مراقد الغفلات حتّى صار بمنزلة الجمادات أو آل إلى التشابه بالأموات و لم يؤثّر فيه تلك المواعظ و النصائح، و لم يحصل له التميز بين المحاسن و المقابح فهو غريق الغفلة و النسيان و أسير الغي و الطغيان لا ينزجر عن الباطل انزجارا و لا يتوجّه إلى الحقّ إلّا جهلا و إنكارا و يترك عنان الطبيعة في يد الهوى و يعرض عن ذكر المولى و هو غافل عن قوله تعالى «وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ أَعْمىٰ قٰالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمىٰ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً قٰالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيٰاتُنٰا فَنَسِيتَهٰا وَ كَذٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسىٰ».
(و المداراة و ضدّه المكاشفة)
(١) المداراة في حسن الخلق التي من فروع الاعتدال في القوّة الغضبيّة تهمز و لا تهمز يقال دارأته و داريته إذا اتّقيته و داجيته و لا ينته، و المقصود أنّ مداراة الخلق و ترك مجادلتهم و مناقشتهم صديقا كان أو عدوّا، عاقلا كان أو جاهلا، من صفات العاقل كما يظهر ذلك بالاعتبار في حال الأنبياء و الأوصياء و الأولياء ثمّ الأمثل فالأمثل على تفاوت مقاماتهم و تفاضل درجاتهم، هذا إذا اقتصروا في حقوقه و أمّا إذا اقتصروا في حقوق اللّه تعالى فوجب تقويمهم و استرجاعهم بالحكمة و الموعظة الحسنة من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و إن افتقر إلى الغلظة جاز عن قدر الضرورة من المواعظ