شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٩٣ - «الشرح»
..........
بحسب الظاهر إلها و بحسب الحقيقة إلها آخر لأنّ أصل العبادة هو الطاعة و الانقياد و لذلك جعل اللّه سبحانه اتّباع الهوى و الانقياد له عبادة فقال جلّ شأنه «أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ» و جعل طاعة الشيطان عبادة له فقال: «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰا بَنِي آدَمَ أَنْ لٰا تَعْبُدُوا الشَّيْطٰانَ» و في بعض الرّوايات «إنّ اطاعة أهل المعاصي عبادة لهم [١]» «و إنّ من أصغى إلى ناطق فقد عبده فان كان الناطق يؤدّي عن اللّه فقد عبد اللّه و إن كان يؤدّي عن الشيطان فقد عبد الشيطان» [٢] و هذا هو الشرك الخفى عند العارفين و لئن نزلنا عن ذلك فلا شبهة في أنّه يفوتك حينئذ حقيقة العبادة و روحها الّذي به تصعد العبادة إلى الدّرجة العليا و المرتبة العظمى من الشرف و القبول فلا يكون عبادتك مأمونة عن طرء البطلان و لا مصونة عن شوائب النقصان و لا قابلة للزّيادة و النماء عند ما يأخذ العابد بواحدة عشرة أمثالها أو ما زاد في يوم الجزاء. فلا بدّ لك أيّها العاقل أن تقتل هواك بسيف عقلك و توجّه قلبك إلى أمر ربّك و تعبده كأنّك تراه، و هذه المرتبة مقام المشاهدة و هي أعلى منازل العابدين و لو لم يكن لك هذه المرتبة فلا أقلّ تعبده و في قلبك أنّه يراك و هذه المرتبة مقام المراقبة و هي أوسط منازل المقربين و مع ذلك تكون خائفا خاشعا متضرّعا راجيا إلى رحمته، لعلّك تكون من المفلحين، و في هذا الكلام دلالة واضحة على أنّ قبول الأعمال و صلاحها و كمالها و طهارتها و نموّها إنّما هو بالعقل الكامل المتأمّل في عظمة اللّه و قدرته و سطوته و سلطنته و غلبته على جميع الممكنات، و أمّا الجاهل المغرور المطيع للنفس و هواها الغافل عن أوامر ربّه و مقتضاها فهو عبد لئيم، و عمله ساقط هابط سقيم، يوم لا ينفع مال و لا بنون إلّا من أتى اللّه بقلب سليم.
[١] روى الكلينى فى الكافى كتاب الايمان و الكفر باب الشرك تحت رقم ٨ عن أبى عبد اللّه «ع» «من أطاع رجلا فى معصية اللّه فقد عبده».
[٢] رواه الحسن بن على بن شعبة فى تحف العقول ص ٤٥٦ عن ابى جعفر الثانى «ع» و فيه «ابليس» مكان «الشيطان» فى الموضعين.