شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣١٣ - «الشرح»
..........
و الاسم الغنية بالضمّ و الكسر و الغنوة و الغنيان مضمومتين، و الغناء ككساء من الصوت ما طرّب به و كسماء رمل، و هذه الفقرة يحتمل وجوها الأوّل الغنى و الفقر الاخرويّان و هو الّذي أشار إليه (صلى اللّه عليه و آله) بقوله: «أ تدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له و لا متاع؟ فقال: إنّ المفلس من أمّتي من يأتى يوم القيمة بصلاة و صيام و زكاة و يأتى قد شتم هذا و اكل مال هذا، و سفك دم هذا، و ضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، و هذا من حسناته: فان فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثمّ طرح في النّار [١]» و هذا حقيقة الفقر، و الافلاس و أمّا من ليس له مال و من قلّ ماله فالناس يسمّونه فقيرا و مفلسا و ليس هو حقيقة الفقير و المفلس لأنّ هذا امر يزول و ينقطع بموته و ربّما ينقطع بغنى و يسار يحصل له بعد ذلك في حياته، بخلاف ذلك الفقير المفلس فانّه يهلك بالهلاك الأبدي و أشار إليه سيّد الوصيّين بقوله: «الغنى و الفقر بعد العرض على اللّه سبحانه [٢]» الثاني غنى القلب بالأخلاق و فقره بعدمها و هذا قريب من قوله (عليه السلام):
ليس البليّة في أيّامنا عجبا * * * إن السلامة فيها أعجب العجب
ليس الجمال بأثواب تزيّنها * * * إنّ الجمال جمال العلم و الأدب
ليس اليتيم الّذي قد مات والده * * * إنّ اليتيم يتيم العقل و الحسب
الثالث اظهار الغنى مع كمال المسكنة و رياضة النفس و القناعة بما قضى له و الرّضا بالموجود و الصبر على المفقود و الاعراض عن الدّنيا و العقبى و الاقبال على المولى و قطع الآمال و ترك القيل و القال كما يرشد إليه قوله تعالى «يَحْسَبُهُمُ الْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمٰاهُمْ لٰا يَسْئَلُونَ النّٰاسَ إِلْحٰافاً» و إظهار الفقر و الطمع ممّا في أيدي الناس و هذا قريب من قوله (صلى اللّه عليه و آله) حين قيل له: ما الغنى؟ قال
[١] روى نحوه مسلم و احمد في مسنده ج ٢ ص ٣٠٣ و غيره من حديث أبى هريرة راجع الترغيب و الترهيب للمنذرى ج ٤ ص ٤٠٥.
[٢] النهج أبواب الحكم تحت ٤٥٢.