شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٢٩ - «الشرح»
..........
التواضع للّه على الشرف و الرفعة [١] لأنّه لما عرف عظمة اللّه و نظر إلى جلال قدره و كمال قدرته على جميع المقدورات و شدّة استيلائه على جميع الممكنات بالايجاد و الافناء و غاص في بحار وجوده و كماله و قدرته و تفكّر في قهره و منعه وجوده احتقر نفسه و وجوده و كماله و قدرته بل لا يرى لنفسه وجودا و كمالا و قدرة، و إنّما يرى هذه الامور الجاهل الّذي لم يخطر بباله ذات الباري و صفاته فيرى لنفسه وجودا و لوجوده آثارا نظير ذلك أنّ من لم ير ماء أبدا ثمّ رأى جدولا صغيرا فانّه يستعظمه فاذا وقف هناك بقي له ذلك الاستعظام، و أمّا إذا جاوزه و رأى نهرا عظيما فانّه يزول عنه ذلك الاستعظام و يستعظم هذا النهر، ثمّ إذا جاوزه و رأى بحرا زاخرا زال عنه استعظام ما سواه قطعا. و إلى ما ذكرنا أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «إنّه لا ينبغي لمن عرف عظمة اللّه أن يتعظّم [٢]» فانّ رفعة الّذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له في هذا التعليل إشارة إلى أنّ التواضع له سبحانه عين الرّفعة و ذلك لأنّ اللّه سبحانه هو العظيم المطلق و كلّ عظمة و رفعة فمستفادة من وجوده و القرب منه فكما كانت العادة جارية من الملوك في حقّ من يتواضع لهم و يوفّيهم حقهم من الاجلال و الاكرام و حسن الانقياد أن يرفعوه و يعظّموه كذلك عادة مالك الملوك جلّ شأنه، يرشد إلى ذلك رفعة حال الأنبياء و الأوصياء و الصالحين عليهم صلوات اللّه أجمعين، و يدلّ عليه قول الصادق (عليه السلام) «إنّ
[١] الشرف و الرفعة معنى جزئى يدركه الوهم و يحبه الانسان بهذه القوة الخبيثة و العقل لا يصدق بحسن ذلك الا أن يكون وسيلة الى دفع ظلم عن مظلوم أو ترويج حق كما قال سليمان (ع) «رب هَبْ لِي مُلْكاً لٰا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي» أراد ذلك لانفاذ الحق و ترويج التوحيد و حينئذ فلا يكون الشرف مطلوبا لذاته بل اذا علم ان مقصوده الدينى يحصل بالتواضع و الخمول و الضعة كان طالبا له دون الشرف و بالجملة فطلب الرفعة من علامات ضعف العقل و غلبة الوهم (ش).
[٢] النهج أبواب الخطب تحت رقم ١٤٥- اوله «فبعث محمد (صلى اللّه عليه و آله) بالحق».