درر الفوائد - الحائري اليزدي، الشيخ عبد الكريم - الصفحة ٢٦ - لما ذا لم يقم بالثورة؟
بنى مستشفى خاصّا لطلاب العلم [١] ليشعرهم بالكيان المستقلّ و الكرامة الموفورة التي كانوا يتمتّعون بها. و في الوقت الّذي كان فيه رجال السياسة و الامراء و القادة و التجّار يتهافتون على بيته للثم أنامله و عرض أنفسهم لخدمته، كان «(رحمه اللّه)» يدور على غرف الطلاب بمفرده للاطّلاع على أحوالهم و أساليب معيشتهم، و الوقوف على مدى عنايتهم بالدرس و المطالعة. فكان يحثّ الكسالى و يشوّقهم، و يمدح النشطين، و يمنح المتفوّقين في الامتحان جوائز قيّمة. و كان يوصي الكلّ بالإخلاص في العمل و الالتزام بتقوى اللّه تعالى. و لم يسمع عنه- رغم كثرة من كان يعولهم من الطلاب- أنّه ردّ طالبا، أو كسر خاطرا، أو أخجل إنسانا، و لذلك كان الكلّ ينظرون إليه نظرتهم إلى الأب الرءوف.
لما ذا لم يقم بالثورة؟
كان الحائري من أشدّ المسلمين غيرة على نواميس الشرع الشريف، و قد تفانى في خدمة الدين منذ نعومة أظفاره، و بذل نفسه و نفيسه في سبيل ذلك، و لاقى من المتاعب و الأذى ما ألمحنا إلى بعضه. و لم يكن فيه جبن و لا تخاذل، و قد كان يرى بام عينيه ما يجري على مقربة منه، و يسمع أصوات الاستنكار مرتفعة من كلّ جانب، و لكنّه كان يرى نفسه واحدا من سائر المراجع، لو قام بالثورة في وجه الطاغية لما اختلف مصيره عن زملائه، و لذلك رأى أن صبره و سكوته أفضل ما داموا قد تركوه لحاله، و أنّ ذلك أبقى للعمل الذي أوقف نفسه له، و أنفع للكيان العلمي الّذي بدأ يرسخ و يقرب من الكمال، و كان عمله هذا عين الصواب، و الامور مرهونة باوقاتها. و هكذا ظلّ كالطود الأشمّ يدير ذلك الكيان، و يدرأ عنه المخاطر، و يردّ عنه غائلة العدوّ رغم الكوارث و الهنابث التي كانت تنزل بالشعب الإيراني المسلم على يد حاكمه الجبّار يوما بعد يوم، و لا سيّما ما ينزل برجال الإصلاح و الصلاح، فكان يرى كبّار العلماء من
[١]- و ذلك في عام ١٣٥٣ ه. أى قبل وفاته بعامين، من ثلث المرحوم سهام الدّولة. و لذلك سمّي:
مستشفى السهامية، كما في تاريخ قم: صفحة ٢٧٦ و يقع بين مستشفى فاطميّة و ثانوية الإمام الصادق ((عليه السلام)).